فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 309

الباطل، ويخرج من تيه الظلمات إلا بنور الوحي، ولا يحيى بعد أن كان ميتا بسبب كفره إلا بالإيمان، كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، قال ابن جرير: حدثني المثنى قال ثنا عبد الله بن صالح قال ثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} يعني من كان كافرا فهديناه {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} يعني بالنور القرآن من صدق به وعمل به {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} يعني بالظلمات الكفر والضلالة"، وأخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة في قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} قال"هذا المؤمن معه من الله بينة، وبها يعمل، وبها يأخذ، وإليها ينتهي، وهو كتاب الله {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} قال: مثل الكافر في ضلالته متحير فيها متسكع فيها، لا يجد منها مخرجا ولا منفذا"، وقال تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، وقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وغيرها من الآيات."

لقد خلق الله تعالى للكفار والمنافقين السمع ليسمعوا به آياته تبارك وتعالى والمواعظ، وخلق لهم الأبصار ليبصروا بها آياته، وخلق لهم أفئدة ليعقلوا بها ما فيه صلاحهم ونفعهم، ولكنهم لم يستعملوا ما أعطاهم الله تعالى في طاعته، وإنما استعملوها في الجحد بآيات الله، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِه مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ، فدلت الآية على أن الكفار من النصارى واليهود وغيرهم من سائر الملل الكافرة والمرتدين والمنافقين الذين يجحدون بآيات الله تعالى أنهم لم ينتفعوا بما جعل الله لهم من السمع والأبصار والأفئدة، وقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا منَ الْجِن وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَائِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ، وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} ، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَاكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ، وقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} ، وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ، فدلت الآيات على أن الكفار والمرتدين والمنافقين الذين يعارضون الكتاب والسنة بعقولهم الفاسدة أنهم لا يعقلون، وأن عقولهم الفاسدة قد ارتكست بهم حتى أصبحوا أضل من الأنعام، ودلت على أن الأمر ليس كما يزعمون من كونهم من أولي العقول والأفهام، بل هم أهل أهواء قد اتخذوا أهواءهم إلها يعبدونه من دون الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت