فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 309

التشريع والتحاكم هو من الشرك في العبادة, فإن التحاكم من العبادة, كما قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} .

وقال تبارك وتعالى: {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} , أي إذا أطعتم المشركين في حل أكل الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} , فتأمل هذه الآية, فقد حكم الله تعالى عليهم بأنهم مشركون إذا أطاعوا المشركين في مسألة واحدة, فكيف بمن تحاكم إلى غير الله كالقوانين, أو الهيئات, أو غيرها, في جميع شؤون الحياة أو بعضها، وكيف بمن اتخذ نفسه مشرعا، وحكّم القوانين الوضعية في البلاد, وألزم الناس بها, وحماها ودافع عنها بجنده وإعلامه, فإذا حكم الله تعالى على من أطاع المشركين في مسألة واحدة بالشرك, فالحكم على الحكام المبدلين لشرع الله بالكفر والشرك, و الخروج من الإسلام من باب أولى. وهذه المسألة من مسائل الإجماع, والأدلة عليها واضحة وصريحة, ولا يتعامى عنها إلا من أعمى الله بصيرته وصرفه عن الحق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه, وحرم الحلال المجمع عليه, أو بدل الشرع المجمع عليه, كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء" [1] .

و قال الإمام ابن كثير رحمه الله"فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء, وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه, من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" [2]

وتأمل الآيات التي تصف من أطاع الشيطان واتبع تشريعه بأنه قد أشرك بالله, وعبد الشيطان من دون الله, كقوله تعالى: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} .

وقوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} .

وأخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال لأبيه: {ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا} .

وقال تبارك وتعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُو ا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فتبرأ الشيطان من المشركين وشركهم وبين الشيطان أن شركهم وعبادتهم له كانت بطاعتهم لدعوته, كما قال تعالى مبينا قول الشيطان لأتباعه: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُو ا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} .

(1) مجموع الفتاوى.

(2) البداية والنهاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت