وقال تعالى: {وَجَعَلُوا للَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} , أي جعل المشركون الشياطين شركاء لله في العبادة, وعبادتهم لهم إنما هي في الطاعة والتشريع, والله تعالى هو خالقهم, وهو تبارك وتعالى الذي له الحكم والتشريع, فكيف يشرك معه غيره في الحكم والتشريع، وقال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَت مَصِيرًا. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا. إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا. لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا. وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} .
فقوله تبارك وتعالى: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا} أي إن يعبدون إلا شيطانا مريدا, لأنهم إذا عبدوا الأوثان التي يسمونها بتسمية الإناث, فقد عبدوا الشيطان في نفس الأمر, لأن الشيطان هو الذي حسن لهم هذا الشرك وأمرهم به, فعبادتهم للشيطان كانت بطاعته واتباع تشريعه, فدلت الآية على أن من اتخذ غير الله مشرعا وحكما, فقد عبده من دون الله.
وقال تعالى: {وَكَذالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} , فسماهم الله تعالى شركاء, لأنهم أطاعوهم في قتل أولادهم، وانقادوا لتشريعهم.
و قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَاؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} , فنزهت الملائكة الله تعالى عن الشريك, وتبرأت من المشركين وشركهم, وذكرت أن الشياطين كانوا يعبدون الجن أي الشياطين الذين أمروهم بعبادة الملائكة وغيرهم, فكانت عبادتهم للشياطين بطاعتهم لهم في الشرك, فهم مؤمنون بالشياطين, ومصدقون لهم, ومنقادون لتشريعهم, كما قال تعالى: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} , فدل على أن من اتخذ غير الله مشرعا, فقد آمن به ربا, وعبده من دون الله, ولا فرق بين من أطاع الشيطان واتخذه مشرعا, وبين من اتخذ القوانين, والبرلمانات, أو هيئة الأمم, أو غيرها مرجعا في الحكم والتشريع, فالجميع قد صرفوا العبادة لغير الله, فهم مشركون خارجون عن الإسلام.
و قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} , فسمى تبارك وتعالى المشرعين شركاء, فكل من اتخذ غير الله مشرعا, فقد أشركه في العبادة.
و قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِي ءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُو ءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} , فبين تعالى أن الكفار الذين يحلون ما حرم الله, قد ازدادوا كفرا على كفرهم الأصلي, والزيادة في الكفر كفر.
وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، وألفاظ الكفر, والظلم, والفسق