تأتي في الكتاب والسنة, ويراد بها في مواطن الكفر الأكبر, والظلم الأكبر, والفسق الأكبر, وكلها مما يخرج من الملة, وتأتي في مواطن, ويراد بها الكفر الأصغر, والظلم الأصغر, والفسق الأصغر, وهي لا تخرج من الملة.
فإذا كان الحاكم لا يحكم بما أنزل الله, وقد بدل شرع الله, وسن القوانين الكفرية, وتحاكم إلى غير الله تعالى, فهذا كفره, وظلمه, وفسقه, مما يخرج من الملة، وأما الكفر دون كفر, أو الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة, فهو الحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله, لقرابة, أو لرشوة, أو لهوى, كالحاكم المسلم الذي يحكم بالإسلام في جميع شؤون الحياة, ولا يتحاكم لغير شرع الله من القوانين, أو الهيئات أو غيرها, ولكنه حكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله, ولم يسن قانونا لهذه القضية, أو غيرها, ولم يستحل هذا الجور في الحكم الذي ارتكبه, وإنما حمله هواه على ترك الحكم بما أنزل الله في هذه القضية المعينة, فهذا قد ارتكب كفرا أصغر لا يخرجه من الملة.
وقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو ا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو ا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا. فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} , فجعل الله تعالى الرد إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع شرطا في الإيمان, وذكر كلمة {شَيْءٍ} وهي نكرة في سياق الشرط, فتعم كل ما تنازع فيه المتنازعون في جميع شؤون الحياة, وبين تعالى أن التحاكم إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, هو خير في الدنيا والآخرة, وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة, ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو ا إِلَى الطَّاغُوتِ} , وهي صيغة تعجب من حال المنافقين وتناقضهم, فهم يزعمون الإيمان بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما أنزل من قبله, ثم يخالفون هذا الزعم بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت, فهذا تناقض ونقض لما يدعون من الإيمان, كقوله تعالى في الآية الأخرى: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَائِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} , فإن الإيمان يقتضي التحاكم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والكفر بالطاغوت وليس التحاكم إليه, ولهذا قال تعالى: {وَقَدْ أُمِرُو ا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} , وإنما ضلوا هذا الضلال البعيد لشركهم وكفرهم بالله تعالى, كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} .
والطاغوت مشتق من الطغيان, قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تعريفه:"والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله, فيعبد من دونه, إما بقهر منه لمن عبده, وإما بطاعة ممن عبد له, إنسانا كان ذلك المعبود, أو شيطانا, أو وثنا, أو كائنا ما كان من شيء" [1] .
(1) جامع البيان