وقال الإمام ابن القيم رحمه الله"والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده, من معبود, أو متبوع, أو مطاع, فطاغوت كل قوم, من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, أو يعبدونه من دون الله, أو يتبعونه على غير بصيرة من الله, أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها, وتأملت أحوال الناس معها, رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت, وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم إلى الطاغوت, وعن طاعته ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الطاغوت ومتابعته" [1] ، فالإيمان لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت, كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} , والعروة الوثقى هي الإسلام, وشهادة أن لا إله إلا الله، والشهادة: نفي وإثبات, والنفي هو"لا إله"و هو الكفر بالطاغوت, والإثبات"إلا الله"وهو الإيمان بالله تعالى, فدل على أن من لم يكفر بالطاغوت كالديمقراطية, أو الهيئات والبرلمانات التشريعية, أو غيرها من الطواغيت, أنه لم يؤمن بالله ولم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله, ثم قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} أي يعرضون إعراضا عن التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} , أي فكيف إذا حلت بهم مصيبة بسبب ذنوبهم, وإعراضهم عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، {ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} , أي إن أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الإسلام والأنظمة المخالفة له, والإيمان يقتضي الكفر بالأنظمة المخالفة للإسلام, وليس التوفيق والجمع بينها وبين الإسلام, وهذا كحال من يسعى من الأفراد أو الأحزاب إلى التوفيق بين الإسلام وبين الديمقراطية أو غيرها من الطواغيت.
وقال تبارك وتعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} , فنفى الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, وأكد النفي بتكرار أداة النفي وبالقسم، ولم يقتصر على مجرد التحاكم بل ضم إليه انتفاء الحرج من الحكم والانقياد والتسليم له، وقد ذكر البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله أنه قال"من الله الرسالة, ومن الرسول البلاغ, وعلينا التسليم".
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ. فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} , فهؤلاء ارتدوا عن الإسلام لقولهم"سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ"فإذا كفر هؤلاء بمجرد الوعد بالطاعة سرا وإن لم يفعلوا, فكيف بمن أطاعهم واستجاب لهم, وحكّم قوانينهم في بلاد المسلمين, وحماها, وألزم الناس بها, وتحاكم إلى هيئاتهم, ومحاكمهم, وبدل أحكام الله وغير مناهج التعليم طلبا لمرضاتهم، فلا شك أن ردته من باب أولى.
(1) إعلام الموقعين