والكفار إما أهل حرب، وإما أهل عهد، وأهل العهد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، أهل هدنة، وأهل أمان، وأهل ذمة.
فأما أهل الهدنة فهم الذين يقيمون في دارهم وصالحوا الدولة الإسلامية على وقف الحرب إلى أجل، وهذه المصالحة أو المعاهدة ليست مؤبدة، ولا يقدم عليها الإمام إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك كما لو كان بالمسلمين ضعف، وأما في حال القوة فلا يجوز للإمام أن يقدم على المصالحة، وقد قال تعالى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُو ا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} ، قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"أي لا تضعفوا عن الأعداء {وَتَدْعُو ا إِلَى السَّلْمِ} أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم، ... ولهذا قال: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُو ا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأٌّعْلَوْنَ} أي في حال علوكم على عدوكم ... فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك" [1] .
وأما أهل الأمان فهم الذين يعطون الأمان، ليدخلوا دولة الإسلام دون أن يستوطنوا
فيها: كالرسل، والتجار، ومن له غرض من زيارة قريب أو نحوها، ومن يعرض عليه الإسلام والقرآن كما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ منَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذالِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} .
وأما أهل الذمة فهم المقيمون في دولة الإسلام، وتجري عليهم أحكام الإسلام، وتؤخذ منهم الجزية، كما قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَق مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، والجزية تؤخذ من الرجال الأحرار البالغين، كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني"أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا"رواه أبو داود وغيره، ويجوز برهم والإحسان إليهم من غير موالاتهم ومودتهم، وتجب حمايتهم، ومنع التعدي عليهم في أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم أو تعذيبهم، وقد قال تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُو ا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ، وقال مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر وغلام له يسلخ شاة فقال: يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي حتى قال ذلك مرارا فقال له: كم تقول هذا فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه"أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي، وأخرج أبوعبيد عن جسر أبي جعفر قال:"شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتيا وخسرانا مبينا فضع الجزية على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض فإن في ذلك صلاحا لمعاش
(1) تفسير القرآن العظيم.