فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 309

وقال الإمام ابن جرير رحمه الله:"ولكم يا أولي العقول فيما فرضت عليكم وأوجبت لبعضكم على بعض من القصاص في النفوس والجراح والشجاج ما منع به بعضكم من قتل بعض وقَدَع بعضكم عن بعض فحييتم بذلك فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة" [1] .

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:"فلو لا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداء واستيفاء, فكان في القصاص دفعا لمفسدة التجري على الدماء بالجناية وبالاستيفاء ... فكم لله سبحانه لعباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تحصى، فكيف إذا كان فيه طهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني، وتشفي للمظلوم، وعدل بين القاتل والمقتول" [2] .

وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} والرأفة المنهي عنها في الآية ليست الرأفة الطبيعية، إنما الرأفة التي تؤدي إلى تعطيل إقامة الحد أو تخفيف الضرب، فلا يكون موجعا رادعا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فينبغى أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات لا شفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاحا لحاله مع أنه يود ويؤثر أن لايحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذى يسقى المريض الدواء الكريه وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الانسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة، فهكذا شرعت الحدود، وهكذا ينبغى أن تكون نية الوالي في إقامتها فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهى عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم وابتغى بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره ألان الله له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير وكفاه العقوبة البشرية، وقد يرضى المحدود اذا أقام عليه الحد"وقال:"ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر وأخف من ألم المرض الباقي وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله بها مرض القلوب وهى من رحمة الله بعباده ورأفته بهم الداخلة في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذى أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير إذ هو في ذلك جاهل أحمق كما يفعله بعض النساء والرجال الجهال بمرضاهم وبمن يربونه من أولادهم وغلمانهم وغيرهم في ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير رأفة بهم" [3] ، فإن الإسلام دين الرحمة, ومن مقتضى الرحمة بعموم المسلمين وبالجاني أن تقام الحدود كما أمر الله تعالى ليحفظ الدين, وتصان الأعراض, والدماء, والأموال, والعقول, وأما القوانين الوضعية, فغلبت الرأفة بالجاني

(1) جامع البيان.

(2) إعلام الموقعين.

(3) مجموع الفتاوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت