فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 309

وخففت من عقوبته ولم ترأف بالمجتمع المهدد بمثل هذه الجرائم والأخطار, مما جعل المجرمين يتمادون في إجرامهم, وعدوانهم على الناس بعد أن ضعف الرادع الذي يكفهم ويردعهم.

و تأمل عقوبة ارتكاب الفاحشة كالزنا واللواط, حيث أوجب الله تعالى رجم الزاني المحصن, وهي عقوبة مغلظة, ناسبت قوة الداعي في النفوس إلى الزنا, الذي هو أقوى في كثير من النفوس من دواعي العدوان الأخرى كالقتل, والسرقة ونحوها, مع وجود المغريات والمهيجات الكثيرة التي تقرب منها وتدعو إليها, كدعوة المفسدين من النصارى واليهود وغيرهم في وسائل إعلامهم إليها بدعوى الحرية، أو كالنظر المحرم إلى النساء، أو الاختلاط أو التبرج أو غيرها.

و هذا الدعي إلى الزنا وهو الشهوة وحب الفاحشة، قد وصفه الله تعالى بأنه سكرة، وهي سكرة أعظم من سكرة الخمر، فإن سكرة الخمر لا تدوم، وأما سكرة الفاحشة فهي دائمة إلا من أفاقه الله تعالى منها، قال الله تعالى: {وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ. قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ. قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ. قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ. فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} ، وهذه آيات عظيمة تدل على شناعة الفاحشة وخطرها على المجتمع، وفتكها بالأخلاق والأعراض، ففيها وصف حب الفاحشة بالسكرة، وهو يدل على أنها تذهب عقل صاحبها، كما يذهب الخمر عقل السكران، ولهذا فلا يميز من سكر بالشهوة بين الصواب والخطأ وهذا هو العمه، كما قال تعالى: {لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي يترددون ويتحيرون في غوايتهم فلا يميزون بين معروف ومنكر، بل يهرعون إلى شهواتهم دون نظر في العواقب، وهذا بين في انفعالهم واندفاعهم كما قال تعالى: {وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} أي يستبشرون بمجيئ ضيف إلى لوط عليه السلام، أملا منهم أن يفعلوا الفاحشة بهم، وقال تعالى {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي لفرحهم بهم يهرولون ويسرعون.

و فيها أن سكرة الشهوة التي تذهب العقل تصد صاحبها عن قبول النصح فلا يلتفت إلى لوم اللائمين ونصح الناصحين، وهذا بين في إعراض قوم لوط عن نصح لوط عليه الصلاة والسلام.

و فيها أن سكرة الشهوة تجعل صاحبها لا يبالي بانتهاك أعراض الناس، وما يلحق بهم وبأقاربهم، أو من هم ضيف عنده من الفضيحة والخزي والإهانة، كما قال الله تبارك وتعالى: {قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ} ، وتأمل هذا الحديث العظيم وكيف بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم بشاعة فاحشة الزنا, وشدة وقعها على أقارب المزني بها لمن جاء يستأذنه بفعلها، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال"إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه فقال أدنه فدنا منه قريبا قال فجلس قال"أتحبه لأمك؟"قال لا والله جعلني الله فداءك قال"ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"قال أفتحبه لابنتك؟ قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال"ولا الناس يحبونه لبناتهم"قال"أفتحبه لأختك؟"قال لا والله جعلني الله فداءك قال"ولا الناس يحبونه لأخواتهم"قال"أفتحبه لعمتك؟"قال لا والله جعلني الله فداءك قال"ولا الناس يحبونه لعماتهم"قال"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت