مادّة المصباح التي يتّقد منها، والنورعلى النور نورالفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل ألبتة، بل يتصادقان ويتوافقان، فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشبه الباطلة، والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليّات التي يسميها أهلها القواطع العقليّات، فهي في صدره {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [1] .
فالقلب السليم الباقي على فطرته يطمئنُّ إلى الحق، ويصدقه ويؤمن به، وينكر الكذب والباطل ولا يطمئن إليه، بل يحدث له ريبة وقلقا لمخالفته لفطرته السليمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم"البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"رواه مسلم.
وعن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا رسول الله أخبرني ما يحلّ لي وما يحرم علي قال:"البرّ ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون"رواه أحمد.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الإثم؟ قال:"إذا حاك في نفسك شيء فدعه"قال: فما الإيمان؟ قال:"إذا ساءتك سيِّئتك وسرّتك حسنتك فأنت مؤمن"رواه أحمد.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"الإثم حواز القلوب"وفي رواية"حواز الصدور"وفي رواية"ما كان من نظرة فللشيطان فيها مطمع والإثم حواز القلوب"رواه الطبراني، قال ابن رجب رحمه الله:"وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك والنفور من ضده ... ولهذا سمى الله ما أمر به معروفا وما نهى عنه منكرا، فقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} وقال تعالى في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان، وانشرح به وانفسح، يسكن للحق ويطمئن إليه ويقبله، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله" [2] .
وعن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد وعن أبي أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفرمنه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه"رواه أحمد، قال ابن كثير: إسناده صحيح.
(1) اجتماع الجيوش الإسلامية
(2) جامع العلوم والحكم