في الغزو والجهاد وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء أو غيرهما، وكالبحث في المسائل الدينية عموما، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية" [1] ."
ومن الأدلة والأمثلة على الشورى في الجهاد والسلم والهدنة أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور الصحابة في يوم بدر، فعن أنس رضي الله عنه"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور، حين بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فأعرض عنه. ثم تكلم عمر رضي الله عنه فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال: إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا". أخرجه مسلم.
وشاورهم في أسرى بدر فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه في أسرى بدر وفيه"فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلا، وأسر منهم سبعون رجلا، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر رضي الله عنهم"رواه مسلم وأحمد واللفظ له.
وكذلك شاورهم في موطن القتال في غزوة بدر, وكذلك شاورهم يوم الأحزاب بمصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة، فأشار عليه سعد بن معاذ رضي الله عنه وسعد بن عبادة رضي الله عنه ألا يعطيهم شيئا, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال"جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأتها عليك خيلا ورجالا، فقال حتى أستأمر السعود سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، يعني يشاورهما. فقالا: لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالاسلام. فرجع إلى الحارث فأخبره، فقال: غدرت يا محمد، قال فقال حسان:"
يا حارِ من يغدرْ بذمةِ جاره ... منكم فإنَّ محمدًا لا يغدر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر
وأمانةُ النهدي حينَ لقيتها ... مثلُ الزجاجةِ صدعها لا يجبر
قال فقال الحارث: كف عنا يا محمد لسان حسان، فلو مزج به ماء البحر لمزج"رواه البزار والطبراني ولفظه عن أبي هريرة قال:"جاء الحارث الغطفاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد شاطرنا تمر المدينة قال:"حتى استأمر السعود"فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود رحمهم الله فقال:"إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وإن الحارث يسألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوا إليه عامكم هذا حتى تنظروا في أمركم بعد"قالوا: يا رسول الله أوحي من السماء، فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع لهواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا تمرة إلا بشراء أو قرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هو ذا تسمعون ما يقولون"قالوا: غدرت يا محمد فقال حسان بن ثابت رحمه الله:
يا حارِ من يغدر بذمة جارهِ ... منكم فإن محمدا لا يغدر
(1) تيسير الكريم المنان.