وعن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال"ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم"وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال"ألا تبايعون"فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال:"أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا"وأسر كلمة خفية"ولا تسألوا الناس شيئًا"فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه"رواه مسلم والترمذي والنسائي باختصار."
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"ستة أيام ثم اعقل يا أبا ذر ما يقال لك بعد"فلما كان اليوم السابع قال"أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحدا شيئا وإن سقط سوطك، ولا تقبضن أمانة ولا تقض بين اثنين"رواه أحمد. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال"أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع بحب المساكين وأن أدنو منهم وأن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي وأن أصل رحمي وإن جفاني وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله وأن أتكلم بمُرِّ الحق وألا تأخذني بالله لومة لائم وأن لا أسأل الناس شيئا"رواه أحمد والطبراني.
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال"يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس"رواه الطبراني في الأوسط، والحديث يدل على اقتران العزة بالاستغناء عن الناس، وأن الطمع بما في أيدي الناس، وسؤالهم أموالهم نوع من أنواع الذل للناس الذي يجب على المسلم تجنبه.
فإذا كان المسلم لايحل له أن يتذلل للناس ويسألهم ما في أيديهم فكذلك الحكومة الإسلامية لا يحل لها أن تتطلع إلى ما في أيدي الدول الأخرى، وأن تسألهم ما في أيديهم وتتذلل لهم، فإن سؤال الدول الكافرة أعظم ظلما وأشنع مذلة ومهانة من سؤال المسلمين، لاسيما وأن الأعداء عادة ما يستخدمون أعطياتهم ومساعداتهم وسيلة للتدخل في شؤون الدولة الإسلامية، ومحاولة صرفها عن الإسلام.
فالواجب على الحكومة الإسلامية أن تسعى إلى الاكتفاء الذاتي، وأن تتجنب الطمع بدنيا الكافرين، والتطلع لما في أيديهم، وأن تتخلق بالقناعة والتعفف والعزة والاستغناء عن الآخرين، وقد قال تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .
وقال تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا منْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} .
وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ،فأمره الله تعالى أن يصبر نفسه مع المؤمنين، ونهاه عن أمرين، أولهما: أن تعدو عيناه عن أهل الإيمان إلى أصحاب الثروة والجاه من الكفار، والنهي الثاني: عن طاعة من شغل قلبه بالكفر عن الإيمان واتبع هواه، وكان أمره تفريطا وضياعا.