بأكمل الشرائع, وبأفضل المرسلين عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، فيا له من تشريف ما أعظمه, ومنزلة ما أعلاها وأرفعها, أن يجتبي ويصطفي الخالق العظيم تبارك وتعالى عبده الضعيف, ويخصه بنعمة الهداية, ويمن عليه بسعادة الدنيا والآخرة، ويختاره لعبوديته, وحمل رسالته, ومجاهدة أعدائه, ويجعله من جنوده في الأرض الذين يذودون عن دينه, ويعلون كلمته, فأي تكريم أعظم من هذا التكريم, وأي رفعة أعظم من هذه الرفعة.
وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِق ٌبِالْخَيْرَاتِ بإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} , وهم هذه الأمة التي اصطفاها الله تعالى لوراثة الكتاب علما وعملا, فمنهم ظالم لنفسه بالمعاصي التي لا تصل إلى الكفر, فعنده أصل الإيمان ومحبة الإسلام وأهله وموالاتهم, فهو وارث للكتاب بحسبه، ومنهم المقتصد المقتصر على فعل الواجبات وترك المحرمات، ومنهم السابق بالخيرات الذي يفعل الواجبات والمستحبات, ويترك المحرمات, والمكروهات, وفضول المباحات، فهم وإن تفاوتوا في إيمانهم, ووراثتهم للكتاب, إلا أن الجميع مشتركون كل بحسبه في نصرة الدين, وحمل الرسالة, وجهاد أعداء الله, وهذا أمر ينبغي التفطن والتنبه له في سياسة الدولة الإسلامية, وهو ضرورة إشعار جميع المسلمين, من الظالمين لأنفسهم, والمقتصدين, والسابقين بالخيرات, باشتراكهم في حمل الرسالة, و بناء دولة الإسلام وتقويتها, فكل منهم على ثغر, وإن تفاوتت مسؤولياتهم وأعمالهم.
قال الأوزاعي رحمه الله: كان يقال:"ما من مسلم إلا وهو قائم على ثغرة من ثغور الإسلام, فمن استطاع ألا يؤتى الإسلام من ثغرته فليفعل" [1] .
فالظالم لنفسه وإن كان لا يولى في الولايات العامة التي تشترط لها العدالة, إلا أن الواجب على ولاة الأمر أن يوفروا له من العمل ما يناسب ما عنده من القدرة والاختصاص، فمن الخطأ إشعار الظالم لنفسه بأنه ليس من حاملي رسالة هذا الدين والمدافعين عنه, فإن هذا سوف يحصر حمل بناء الدولة وتقويتها على فئة قليلة من الصالحين, كما أن الأعداء المتربصين بدولة الإسلام, قد يستغلون هذا التباعد بين ولاة الأمر وبين من ظلموا أنفسهم ببعض الذنوب, فيسعون إلى استمالتهم إليهم, وإبعادهم عن نصرة دولة الإسلام.
(1) السنة للمروزي.