معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه كما قال تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّاقَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} " [1] ."
وقال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَأَىءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَائِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} والمراد بالإنسان في الآية جنس الإنسان، كقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} وقد وصفه الله تعالى بصفتين: اليأس من رحمة الله إذا أصابته مصيبة بعد نعمة، وبالفرح والفخر وترك الشكر إذا ذاق نعمة بعد ضراء أصابته. ثم استثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات, قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدّة بعد نعمة حصل له اليأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل وكفر وجحود لماضي الحال، كأنه لم ير خيرًا ولم يرج بعد ذلك فرَجًا, وهكذا إذا أصابته نعمة بعد نقمة {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} أي يقول ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي فرح بما في يده بطر فخور على غيره، قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا} أي على الشدائد والمكاره {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي في الرخاء والعافية {أُوْلَائِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي بما يصيبهم من الضرّاء {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} بما أسلفوه في زمن الرخاء" [2] ، وخلاف الصبر عند الضرّاء، والشكر على السرّاء، أن يظهرالعبد الجزع وعدم الصبر عند المصيبة كالنياحة على الميت، وشقّ الجيوب، ولطم الخدود، و أن يقابل نعمة الله بمعصيته كالفخر، والبطر، وإظهار المعازف أو غيرها من المعاصي، وقد قال صلى الله عليه وسلّم:"صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنّة عند المصيبة"رواه البزّار.
فنعمة النصر على الأعداء، وتمكين المجاهدين في الأرض، من أعظم النعم التي تستوجب الشكرمن المجاهدين، بالاستقامة على طاعة الله، وتقواه في جميع سياسات الدولة الداخلية والخارجية، وقد قال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُو ا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. وَاذْكُرُو ا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُو ءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذالِكُمْ بَلا ءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} .
(1) تيسير الكريم الرحمن
(2) تفسير القرآن العظيم