و قال تعالى: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} . وقال صلى الله عليه وسلّم:"إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتقي الله وليأمر بالمعروف ولينهى عن المنكر، ومن كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار"رواه الترمذي وأحمد، فقوله صلى الله عليه وسلّم"إنكم منصورون"أي على أعدائكم"ومصيبون"أي للغنائم"ومفتوح لكم"أي تفتح لكم البلاد، وأمر النبي صلى الله عليه وسلّم من أدرك ذلك أن يتقي الله وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعن الهيثم بن مالك الطائي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر قال:"إن للشيطان مصالي وفخوخا، وإن مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بعطاء الله، والكبرياء على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله"رواه البخاري في الأدب المفرد.
فشكر الله تعالى على النصر بتقواه، وتحكيم شرع الله في جميع شؤون الحياة، فإن هذا هو الغاية التي شرع الجهاد لأجلها، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} ، وليحذر المجاهد أن يقابل نعمة النصر بالكبر على الناس، والإعجاب بالنفس، والفخر والبطر، وطلب العلوّ في الأرض، أو غيرها من المعاصي، وقد قال كعب بن زهير في وصف المهاجرين رضي الله عنهم:
لا يفرحون إذا نالت سيوفهم *** قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
وقال حسّان بن ثابت رضي الله عنه في وصف الأنصار رضي الله عنهم:
لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم *** وإن أصيبوا فلا خوَر ولا هلع
فالشكر سبب لدوام النعم وزيادتها, وأما الكفر بالنعم فهو سبب لزوالها، وحلول العقوبات، وانقلاب الأحوال، وتبدّل الأمن خوفًا، وقد قال الله تبارك وتعالى: {ذالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} .
وقال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَآءِ وَالضَّرَأَىءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَأَىءُ وَالسَّرَأَىءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ وَلَاكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ. أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} .