يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي يلههم ويشغلهم ظنهم بطول الأعمار، وتحقق الحاجات والرغبات والشهوات, وأن مستقبلهم خال من المنغصات والعقوبات، كل هذا يشغلهم عن الإيمان والتوبة.
فمن تأمل حال الكفار فلا يجد أهدافهم وسياساتهم وقوانينهم تخرج عن هذين المقصدين الأكل والتمتع بأنواعه, التي تشترك وتتساوى فيها معهم الأنعام السارحة, بل هم أضل منها كما قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} , قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"أي هم أسوأ حالًا من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم" [1] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا منَ الْجِن وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَائِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} , وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَاب عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} .
وبهذا يتبين أن حياة الكفار التي تشبه حياة الأنعام بل هي أسوأ، لا يمكن أن تسمى حضارة وتقدم, بل هي تخلف وتأخر عن الاستقامة والصلاح والطهارة والعفة, وانحطاط في الغايات والعقائد والأخلاق, فقد أتقنوا صناعة الحديد والآلات, وشيدوا المصانع والعمارات، ولكنهم غفلوا عن بناء الإنسان والأسرة والمجتمع, ولهذا أصبحت مجتمعاتهم تعاني الضلال العقائدي والانحراف الأخلاقي, والتفكك الأسري, والضنك، والأمراض النفسية، والجسدية, والجريمة والمخدرات, يقول سيد قطب رحمه الله في كتابه القيم معالم في الطريق"الإسلام لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات ... مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي"المجتمع الإسلامي"هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام .. عقيدة وعبادة، وشريعة ونظامًا وخلقًا وسلوكًا .. و"المجتمع الجاهلي"هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه .."
ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسًا ممن يسمون أنفسهم"مسلمين"، بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام! وليس المجتمع الإسلامي هو الذي يبتدع لنفسه إسلامًا من عند نفسه - غير ما قرره الله سبحانه، وفصَّله رسوله صلى الله عليه وسلم، ويسميه مثلًا"الإسلام المتطور"!
و"المجتمع الجاهلي"قد يتمثل في صور شتى - كلها جاهلية: قد يتمثل في صورة مجتمع ينكر وجود الله تعالى، ويفسر التاريخ تفسيرًا ماديًا جدليًا، ويطبق ما يسميه"الاشتراكية العلمية"نظامًا وقد يتمثل في مجتمع لا ينكر وجود الله تعالى، ولكن يجعل له ملكوت السماوات، ويعزله عن ملكوت الأرض، فلا يطبق شريعته في نظام الحياة، ولا يحكِّم قيمه التي جعلها هو قيمًا ثابتة في حياة البشر، ويبيح للناس أن يعبدوا الله في المساجد، ولكنه يحرِّم عليهم أن يطالبوا بتحكيم شريعة الله في حياتهم، وهو بذلك ينكر أو يعطل ألوهية الله في الأرض، التي ينص عليها
(1) تفسير القرآن العظيم