وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه أنزل نفسه من مال المسلمين منزلة ولي اليتيم إذا استغنى استعفف، وإذا احتاج اقترض من مال المسلمين، وإذا أيسر رد القرض، والرد هو أحد القولين في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ، فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وغيرهم من طرق عن عمر بن الخطاب قال:"إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت".
وعن عمرو بن العاص قال:"لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال لقد غبنا وضل رأيهما، وايم الله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي، وإن كان لا يحل لهما فأخذناه بعدهما لقد هلكنا، وايم الله ما جاء الوهم إلا من قبلنا"رواه الطبراني، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
ومن الأمثلة على ورع الإمام ما رواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال:"لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال: يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبح فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين، فإذا مت فاردديه إلى عمر. فلما مات أبو بكر رضي الله عنه أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه: رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك".
وعن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت:"قال أبو بكر رضي الله عنه حين حضر: انظري كل شيء زاد في مالي منذ دخلت في هذه الإمارة فرديه إلى الخليفة من بعدي. قالت: فلما مات نظرنا فما وجدنا زاد في ماله: إلا ناضحا كان يسقى بستانا له، وغلاما نوبيا كان يحمل صبيا له. قالت: فأرسلت به إلى عمر رضي الله عنه قالت: فأخبرت أن عمر رضي الله عنه بكى، وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبا شديدا"رواه البيهقي في السنن الكبرى وغيره.
وعن نافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ فَرَضَ للْمُهاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَربَعَةَ آلافٍ، وفَرَضَ لابْنِهِ ثلاثةَ آلافٍ وخَمْسَمائةٍ، فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنَ المُهاجِرِينَ فَلِم نَقَصْتَهُ فقال: إِنَّما هَاجَر بِهِ أَبُوه يَقُولُ: لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ"رواهُ البخاري."
وقال ثعلبة بن أبي مالك:"إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحق. وأم سليط من نساء الأنصار، ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد"قال أبو عبد الله: تزفر تخيط. رواه البخاري.
وقال عمر رضي الله عنه"أنا أخبركم بما استحل من مال الله حلة الشتاء والقيظ وما أحج عليه وما أعتمر من الظهر وقوت أهلي كرجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، أنا رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم"رواه ابن أبي شيبة وغيره.
وفي الطبقات لابن سعد عن"عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: كان عمر يقوت نفسه وأهله ويكتسي الحلة في الصيف، ولربما خرق الإزار حتى يرقعه فما يبدل مكانه حتى يأتي الإبان وما من عام يكثر فيه المال إلا كسوته فيما أرى أدنى من العام الماضي، فكلمته في ذلك حفصة فقال: إنما أكتسي من مال المسلمين، وهذا"