ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويقاتِلُ رِياءً، أَيُّ ذلِك في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم"مَنْ قاتَلَ لِتَكُون كلِمةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ"مُتَّفَقٌ عليه.
فالإسلام دين كامل، ونظام شامل للحياة، لا يقيمه إلا الأقوياء الصادقون المجاهدون، فهو لا يقبل التمييع أو الهزل أو الضعف، وإنما جاء ليؤخذ بقوة وجد وصدق، وعندما يأخذه الصادقون بقوة حينها فقط يمكن لهم في الأرض، ويكونون أهلا لحمل الرسالة والأمانة.
وأما المهازيل المهزومون الذين استحوذ عليهم الرعب من أعدائهم، وكبلتهم شهواتهم ورغباتهم، وقعدوا عن الجهاد، وعوقوا وبَطّؤوا غيرهم عنه، فهيهات أن يقيم هؤلاء وأمثالهم دولة الإسلام، فإن سنن الله تعالى لا تتبدل، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
إن القوة ملازمة لأخذ هذا الدين، وحمل الرسالة، قبل التمكين في الأرض وبعد التمكين، قال تعالى: {يايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} ، وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أريت كأني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين فنزع نزعا ضعيفا والله تبارك وتعالى يغفر له ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى روى الناس وضربوا العطن"متفق عليه، وفي رواية لمسلم"فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر"، وقوله:"يفري فريه"قال إبراهيم الحربي رحمه الله:"لم أر أحدا يقدر أن يعمل عمله" [1] ، وهو يدل على حسن سياسته للرعية, ومناصحته لهم, وتدبيره لشؤونهم, والقوة في ذلك، قال الإمام الشافعي رحمه الله: قوله:"وفي نزعه ضعف"يعنى قصر مدته, وعجلة موته, وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته, وقوله في عمر:"فاستحالت في يده غربا"والغرب الدلو العظيم الذي إنما تنزعه الدابة أو الزرنوق، ولا ينزعه الرجل بيده, لطول مدته وتزيده في الإسلام لم يزل يعظم أمره ومناصحته للمسلمين كما يمنح الدلو العظيم" [2] "
وقال ابن رجب رحمه الله"وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى وضع الأمور في مواضعها, واستقامت الأمور, وذلك لطول مدته وتفرغه للحوادث, واهتمامه بها بخلاف مدة أبي بكر فإنها كانت قصيرة, وكان مشغولا فيها بالفتوح وبعث البعوث للقتال" [3] .
فقد كان عمر رضي الله عنه قويا صارما في أمر الله تعالى، لا يخاف في الله لومة لائم، فقوى دعائم الخلافة الراشدة، وفتح بلاد الفرس والشام التي كانت بأيد الروم وغيرها، وردع أهل النفاق والزيغ، وحاسب الأمراء حتى أصبحت سياسته الراشدة مرجعا في السياسة الشرعية يرجع إليها, ويتأسى بها السياسيون المسلمون من بعده، وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه"ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر"رواه البخاري، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم أعز"
(1) السنة للخلال
(2) كتاب الأم
(3) جامع العلوم والحكم