في الأمصار إذا لم يفعل ذلك، ونحو منع عمر رضي الله عنه بعض الصحابة من الخروج من المدينة للضرر الحاصل بذهاب أهل الفقه والاجتهاد الذين يرجع إليهم في النوازل ومعضلات الأمور من قاعدة الإسلام. وموضوع الضرر أو المحرم هذا أمر يمكن أدراكه والتحقق من واقعه وليس أمرًا مبهمًا كالمصلحة العامة، ولهذا إذا تدخلت الدولة لمنع أمر مباح أصلًا بحجة الضرر أو حصول المحرم، فإن عليها إثبات الدليل على وجود الضرر أو الحرام حتى يكون عملها وفق الشرع في ذلك.
الحالة الثانية: أن يكون أمر المباح متعلقًا بشؤون الدولة الخاصة بها كشؤون جيشها وموظفيها ونحوه فلها حينئذ الإلزام والمنع لمن يتعلق به ذلك من موظفيها وجنودها لتحقيق مقصد شرعي وذلك كإلزام موظفي الدولة بدوام مخصوص ... ومن هذا الباب كان عمر رضي الله عنه يقاسم عماله أموالهم ويشترط عليهم في ذلك، ومنع عماله من وضع أبواب أو حجب مغلقة دون رعيتهم ...
الحالة الثالثة: تنظيم المرافق والأموال العامة، حيث ثبت بالسنة أن ما كان من مرافق المسلمين يشتركون فيه نحو الماء والكلأ والنار والطرق العامة، وما كان من الأموال العامة كالفيء فإن تنظيمه متروك للدولة لتحقيق المقصد الشرعي بعدم اختصاص أحد به دون أحد، ولها عندئذ الإلزام أو المنع من بعض أفراد المباح على هذا الوجه الشرعي. حيث أن النبي عليه الصلاة والسلام حمى النقيع، واسترجع إقطاع أبيض بن حمال لمنجم الملح لحاجة الناس إليه، ووزع أبوبكر رضي الله عنه أموال الفيء بالتساوي بين الناس، بينما وزعها عمر رضي الله عنه بحسب الأسبقية في الإسلام، وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بجعل الطريق سبعة أذرع لتنظيم السير فيه، وقضى بحكمه في السيل بأن يُرسٍل الأعلى على الأسفل، وحمى عمر رضي الله عنه الشرف والربذة .. إلى غير ذلك من أمثلة تدل على أن للإمام أو الدولة التدخل لتنظيم المرافق والأموال العامة التي يشترك فيها المسلمون لتحقيق مقصد شرعي.
الحالة الرابعة: تنفيذ فروض الكفاية المنوطة بالدولة، حيث جعل الشرع تنفيذ بعض فروع الكفاية منوطًا بالدولة كجمع الزكاة والجهاد ونحو ذلك. فللدولة حينئذ وضع تنظيم إجرائي لتنفيذ هذه الفروض المناطة بها، ومن ذلك أن عثمان رضي الله عنه كان يحدد شهرًا معينًا لجمع الزكاة كما ورد في الموطأ.
ومن هذا العرض للشواهد الشرعية التي تبين الأحوال المخصوصة التي أذن الشارع للدولة بالتدخل فيها بالمنع أو بالإلزام من بعض أفراد المباح بهدف تحقيق مقصود شرعي يظهر جليًا أن الأصل في غير هذه الأحوال أن ليس للدولة تحريم المباح والمنع منه، أو إيجابه، أوقصر فعله على من حصل على ترخيص منها، لأن الإباحة حكم من خالق العباد وربهم تعالى، ومتى ثبت بالدليل الشرعي إباحة الفعل فليس لمخلوق المنع أو الإلزام به على وجه الإطلاق، كمايدل على ذلك حديث عدي بن حاتم في تفسير قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ .... } الآية.