فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 309

وحين تكون"إنسانية"الإنسان هي القيمة العليا في مجتمع، وتكون الخصائص"الإنسانية"فيه هي موضع التكريم والاعتبار، يكون هذا المجتمع متحضرًا .. فأما حين تكون"المادة"- في أية صورة - هي القيمة العليا .. سواء في صورة"النظرية"كما في التفسير الماركسي للتاريخ! أو في صور"الإنتاج المادي"كما في أمريكا وأوروبا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي قيمة عليا تهدر في سبيلها القيم والخصائص والإنسانية .. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعًا متخلفًا .. أو بالمصطلح الإسلامي مجتمعًا جاهليًا!

إن المجتمع المتحضر .. الإسلامي .. لا يحتقر المادة، لا في صورة النظرية (باعتبارها هي التي يتألف منها هذا الكون الذي نعيش فيه ونتأثر فيه ونؤثر فيه أيضًا) ولا في صور"الإنتاج المادي". فالإنتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض, ولكنه فقط لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص"الإنسان"ومقوماته! .. وتهدر من أجلها حرية الفرد وكرامته. وتهدر فيها قاعدة"الأُسرة"ومقوماتها، وتهدر فيها أخلاق المجتمع وحرماته .. إلى آخر ما تهدره المجتمعات الجاهلية من القيم العليا والفضائل والحرمات لتحقق الوفرة في الإنتاج المادي!

وحين تكون"القيم الإنسانية"و"الأخلاق الإنسانية"التي تقوم عليها، هي السائدة في مجتمع، يكون هذا المجتمع متحضرًا. والقيم الإنسانية والأخلاق الإنسانية ليست مسألة غامضة مائعة وليست كذلك قيمًا"متطورة"متغيرة متبدلة، لا تستقر على حال ولا ترجع إلى أصل، كما يزعم التفسير المادي للتاريخ، وكما تزعم"الاشتراكية العلمية"!

إنها القيم والأخلاق التي تنمِّي في الإنسان خصائص الإنسان التي يتفرد بها دون الحيوان، والتي تُغَلِّب فيه هذا الجانب الذي يميزه ويعزوه عن الحيوان، وليست هي القيم والأخلاق التي تنمِّي فيه وتُغَلِّب الجوانب التي يشترك فيها مع الحيوان. وحين توضع المسألة هذا الوضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم"وثابت"لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها"التطوريون"! و"الاشتراكيون العلمانيون"!

عندئذ لا يكون اصطلاح البيئة وعرفها هو الذي يحدد القيم الأخلاقية، إنما يكون وراء اختلاف البيئة ميزان ثابت .. عندئذ لا يكون هناك قيم وأخلاق"زراعية"وأخرى"صناعية"! ولا قيم وأخلاق"رأسمالية"وأخرى"اشتراكية"، ولا قيم وأخلاق"برجوازية"وأخرى"صعلوكية"! ولا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومستوى المعيشة وطبيعة المرحلة .. إلى آخر هذه التغيرات السطحية والشكلية .. إنما تكون هناك - من وراء ذلك كله - قيم وأخلاق"إنسانية"وقيم وأخلاق"حيوانية"- إذا صح هذا التعبير! - أو بالمصطلح الإسلامي: قيم وأخلاق"إسلامية"وقيم وأخلاق"جاهلية".

إن الإسلام يقرر قيمه وأخلاقه هذه"الإنسانية"- أي التي تنمِّي في الإنسان الجوانب التي تفرقه وتميزه عن الحيوان - ويمضي في إنشائها وتثبيتها وصيانتها في كل المجتمعات التي يهيمن عليها سواء كانت هذه المجتمعات في طور الزراعة أم في طور الصناعة، وسواء كانت مجتمعات بدوية تعيش على الرعي أو مجتمعات حضرية مستقرة، وسواء كانت هذه المجتمعات فقيرة أو غنية .. إنه يرتقي صعدًا بالخصائص الإنسانية، ويحرسها من النكسة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت