الخلافة, فأفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم, أبو بكرالصديق رضي الله عنه الخليفة الأول, ثم عمر رضي الله عنه وهو الخليفة الثاني, ثم عثمان رضي الله عنه وهو الخليفة الثالث, ثم علي رضي الله عنه وهو الخليفة الرابع، وعن على رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال:"إن تؤمروا أبا بكر رضي الله عنه تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر رضي الله عنه تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا رضي الله عنه ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم"رواه أحمد وغيره، وقد تضمن هذا الحديث العظيم طريقة اختيار الإمام من خلال الشورى، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث:"إن تؤمروا"، وتضمن بعض الصفات التي تشترط في الإمام وأولها: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وهذه من صفات أئمة العدل الذين زهدوا في الدنيا وطهرت نفوسهم من طلب العلو في الأرض والتكبر على الخلق ومن حظوظ النفس وأطماعها، ورغبوا بما عند الله تعالى، ومن كان هذا وصفه فجدير به أن يقيم العدل ويحكم بين الناس بالحق بعد أن طهرت نفسه من الأهواء والأطماع الدنيوية التي تصد عن الحق، وقد قال تعالى: {يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} .
و الثانية: أن يتصف بالأمانة وقد قال الله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} ، والأمانة تشمل القيام بالواجبات واجتناب المحرمات، ومن الأمانات الولاية على المسلمين فيجب النصح والإحسان فيها ويحرم الغشى فيها والخيانة، ومن الأمانات إسناد الوظائف والأعمال إلى أهلها، ومن الأمانات أداء الأموال إلى الرعية بعدل وإنصاف، ومن الأمانات المال العام فيجب حفظه وتجنب التعدي فيه وإضاعته والإسراف في إنفاقه أو إهماله والتفريط في حفظه وصيانته، ومن الأمانات أسرار الدولة وغيرها فيجب حفظها ويحرم إفشاؤها، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة"رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.
الثالثة: أن يتصف بالقوة وألا يخاف في الله لومة اللائم، وقد تقدم الكلام فيها.
الرابعة: الهداية، وهي تتضمن العلم والعمل بالعلم والدعوة إليه، فيجب أن يكون الإمام عالما مجتهدا وأن يعمل بعلمه، وأن يقود الأمة إلى الصراط المستقيم.
فإن الإمام التقي الناصح العادل هو المؤتمن على الإسلام والمسلمين, وأما الفاسق الذي لم يتصف بالتقوى والعدل، ولا تقبل شهادته على اليسير من المال, فأنى لمثل هذا أن يكون أهلا لإقامة دين الله في الأرض والعدل بين الناس، وهو لم يقم العدل والصلاح في نفسه, وكيف يقيم الناس على الحق ويأطرهم عليه من كان مائلا عنه ومعرضا عن التمسك به.
و الناس تبع لولاة الأمر وهم العلماء والأمراء, فإذا صلح هذان الصنفان صلح الناس, وإذا فسدا فسد الناس, وفي صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم قال دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد