فهرس الكتاب
وأما قولهم: إن هذا هو القدر؛ فهم التزموا أن عبادة الأصنام لما كان قضاء الله لا بد أن يكون نافذًا، وقالوا: إذًا من عبد الصنم فهو عابد لله لأنه على قضاء الله، ويلزم من ذلك أن نقول: إن الله عز وجل حينما قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ، أنه لا يوجد عقوق في البشرية، فمن ضرب أمه وضرب أباه فهو بار بأبيه وأمه، وهذا لا يستقيم أيضًا مع قول أهل التحسين والتقبيح العقلي في أفعال العباد، ويلزم من ذلك أيضًا ألا نقول بإقامة الحدود والعقوبات على الناس، وعلينا إبطالها؛ لأن الإنسان لا يعاقب على شيء أجبره الله سبحانه وتعالى على فعله، وهذه الالتزامات منهم من يلتزم بها، ومنهم من لا يلتزم بها.
الفرقة الثانية من طوائف الجبرية: الذين يقولون: إن الإنسان مجبور قلبه على الشيء، وأما جوارحه فله اختيار فيها، وهذه أخف طوائف الجبرية, وهذا الاعتقاد يقول به أهل الاعتزال اليوم، وهم يتباينون في ذلك من جهة اللوازم ومن جهة ما يقولون به؛ ولهذا نجد الطائفة الواحدة تشكك في هذه العقيدة، والبعض لا يأخذ بتلك الإلزامات، والبعض الآخر يأخذ بها، ونحن نجد بعض أئمة الرافضة ينفون القدر، وآخرين منهم لا ينفون القدر ويثبتونه لله جل وعلا؛ وذلك لأنهم استحضروا العلم، فيقولون: إن الله عز وجل يعلم؛ فيلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر، ولا يكون إلا ما علم، وحينئذٍ يلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر هذه المقادير، وطوائف الرافضة في ذلك يتباينون، فمنهم من ينفي القدر، ومنهم من لا ينفي، والمشهور عنهم نفي القدر، لكن يوجد من أئمتهم من يثبت ذلك.