وبالنسبة لقول الإنسان فيما مضى: لو أني فعلت كذا وكذا, فإن هذا لا يجوز لشيء فات لا يمكن استدراكه إلا لشيء من الأمور الشرعية, وأن يظهر الإنسان أنه سيفعل ذلك مستقبلًا, والدليل على ذلك ما جاء من حديث جابر في صحيح الإمام مسلم وغيره, في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أني استقبلت من الأمر ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) , أي: أني لو استقبلت ما مضى ورجع بي الوقت لما سقت الهدي وجعلت هذا الإحرام. ومثل ذلك في حال استدراك الإنسان وتمنيه أنه فعل الخير، فهذا لا حرج عليه أن يقول: لو أني فعلت كذا وكذا؛ والعلة في ذلك هو عدم تفويت المقصد الشرعي عن فعل أعمال البر, فإن الإنسان إذا فعل المفضول وترك الفاضل، ويخشى أن الناس إذا رأوه تركوا الفاضل إلى المفضول؛ فينبغي له أن يبين لهم أنه لو استقبل من الأمر ما استدبر فإنه كان سيفعل الفاضل ويترك المفضول، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك تمني عمل الخير, فذلك التمني يؤجر عليه الإنسان, فيقول الإنسان: ليتني أو لو أني سعيت أو حججت أو تصدقت أو فعلت أو نحو ذلك فإن هذا من أمور الخير, فهذا من وجوه التمني التي يؤجر عليها الإنسان, فإن الإنسان إذا تمنى شيئًا وهو صادق من قلبه فإن الله عز وجل يعطيه إياه, فينبغي للإنسان أن يتمنى عمل البر, وهذا له أثر في قلب الإنسان, والإنسان إذا أكثر من تمني الخير تعلق قلبه به حتى لو تمكن منه لفعله, بخلاف لو يأتيه الخير فجأة فإنه ربما صرف أو تعلق قلبه بالدنيا, وهذا فيه نوع من توطين القلب. وأما ما جاء في الخبر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) , فالمراد بذلك فيما ينزل على الإنسان من مصائب, وليس ذلك في أمور الفاضل والمفضول من أمور البر.