والملائكة بالنسبة للحق الواجب على الإنسان تجاههم هو أن يعلم الإنسان أن هؤلاء الملائكة عباد لله عز وجل, وأنه سبحانه وتعالى غني عن عباده كلهم, سواء كانوا من الملائكة أو من غيرهم, وأن الملائكة ليسوا بنات لله جل وعلا كما يزعم أهل الجاهلية, وأنهم عباد لله يفعلون ما يؤمرون, وأن منهم من سمى الله عز وجل في كتابه, ومنهم من وكله الله عز وجل بالوحي وهو جبريل, وهو أوجب ما يؤمن به العباد, فيجب عليهم أن يؤمنوا بأن القرآن الذي أنزله الله عز وجل على نبيه كان بواسطة جبريل, والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ الوحي من جبريل, وجبريل أخذه من الله, وهذا سماعًا, وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة. وذهب بعض الطوائف الذين يقولون: إن الله عز وجل لم يتكلم, تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا, وقالوا: إن جبريل أخذ كلام الله من اللوح المحفوظ, وربما يعبرون بذلك أن الله عز وجل خلق كلامه في جبريل وأوجده فيه، ثم نقله جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذه من الأقوال الخاطئة, ويقول بها بعض المتفقهة من الأشاعرة من المتأخرين, ويقولون: إن الله عز وجل أوجد ذلك علمًا في نفس جبريل؛ كالسيوطي رحمه الله.
وفي قوله هنا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32] إشارة إلى أن الملائكة مع قربهم من ربهم سبحانه وتعالى, ومع كونهم أيضًا من عمار السماوات, وفي عدد لا يحصيه إلا الله عز وجل، إلا أنهم لا يملكون من العلم إلا ما يعلمهم الله عز وجل, فلا يحيط أحد من المخلوقات بشيء من علم الله عز وجل إلا بإذنه سبحانه وتعالى, وإذا كان هذا في أمر الملائكة فإنه لمن كان أبعد منهم منزلة من باب أولى, ممن يدعي علم الغيب من الكهنة والسحرة والعرافين والمنجمين, وغير ذلك ممن ينظرون في الأبراج من الماديين الذين يربطون علم الغيب ببعض المعادلات الكونية من مسيرة الأفلاك.