وأما في الصلوات الخمس فقد استثناها هنا؛ لكثرة المساجد الكثيرة التي يصلي فيها الناس، فللإنسان أن يختار المسجد الذي يصلي فيه؛ لكثرة المساجد، ولأنه لا يظهر فيه انشقاق الناس أو عدم وجودهم تحت لواء السلطان، فإن المساجد تصلي على ما هي عليه، ولا يرى الناس فيها ضعفًا للسلطان، ولا يعلم منها من كان خارج دائرة المسلمين أن هؤلاء ممن يقتدي بهذا السلطان أو لا يحبه ولا يصلي خلفه ونحو ذلك، والناس كان يصلون الصلوات الخمس في أي مسجد يشاءون، وأما الجمعة والعيدين فإنهم يصلون خلفه. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود - وهو في البخاري معلقًا- قوله عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا) ، وهذا في الإمامة الراتبة، وفي حال الناس الذين يملكون أو يختارون تعيين إمامًا منهم, ويستثنى من ذلك الجمعة والعيدين. وإذا كان الرجل خلف السلطان فإنه يصلي خلفه سواءً كان برًا أو فاجرًا، ويستثنى من ذلك من ظهر كفره وزندقته وأعلن ذلك؛ فالرافضة مثلًا أو بعض الزنادقة الذين أظهروا إلحادهم في بعض أحكام الدين، هؤلاء لا يصلى خلفهم، وأما الفسقة فيصلي الإنسان خلفهم مهما كانت ذنوبهم، سواءً كانت من الصغائر أو الكبائر، وإذا دخل الإنسان مسجدًا أو كان في طريقٍ والناس يصلون خلف إمام لديه تقصير فإنه يصلي خلفه، وربما يعلم الإنسان عن رجل أنه يخالف أمر الله عز وجل في بعض الأمور الباطنة؛ لكن لا حرج عليه أن يصلي خلفه.
وأما قوله: (وأما سائر ذلك فأنت مخير ألا تصلي إلا خلف من تثق به) لأن الإنسان يستطيع الاختيار بألا يصلي خلف إمام هذا المسجد، أو يصلي خلف إمام مسجد آخر، ولا يظهر للناس الانشقاق بين المسجدين؛ لأن لكل مسجد رواده.