فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 176

وهذا من التفاؤل بأن الله عز وجل أراد به خيرًا حتى يرجعه إلى الله، وهذا يذكره العلماء عندما يتحدثون عن جهة الحكمة من نزول المصائب والهموم والغموم على الإنسان, ومنها: تذكير الإنسان بنعم الله جل وعلا وفضله عليه، وتطهير القلب من المصائب والهموم. ويذكر الفلاسفة القدامى أن الإنسان لا يمكن أن يتطهر إلا بنزول المصائب عليه وتحقق الشر فيه؛ لأنه يكسب من ذلك خيرًا عظيمًا، ويجعلون المصائب التي تنزل عليه مبدأ لتطهير القلب من شوائب الدنيا. ومن الحكم في نزول المصائب: تجرد البصر والبصيرة من الغبش الذي لا يوصل الإنسان إلى الخير، فالإنسان إذا أصيب بمصيبة من هم وغم، أو أُخبر بمرض من الأمراض تجرد من أي شائبة من شوائب الدنيا، والتفت إلى رحمة الناس والعطف عليهم؛ فتجد الإنسان يتكبر ويتغطرس ويأنف ونحو ذلك، وإذا قيل له: بك مرض عضال, انقلبت حياته، وتجرد وأحسن وعفا, وصفح وأكرم، وهذا أمر معلوم، وهذا ما يسميه أهل الكلام والفلاسفة القدامى بالتطهير، أي: أن الإنسان يصاب بهذه الأشياء فيتطهر من أي شائبة، ويدرك الحق من الباطل والخير من الشر، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده حيث يجعل الإنسان يدرك بهذه المصائب التي تنزل عليه الحق من الباطل، وهذا من الخير الذي يريده الله جل وعلا بعباده. وقد وصف الله عز وجل أن خير الخلق -وهم الأنبياء- هم الذين يصابون بالبلاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يبتلى الصالحون الأمثل بالأمثل) ، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أشد الناس بلاءً الأنبياء) .

وقوله هنا: (حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، وحسنه ومكروهه) أي: أن ما يظهر للإنسان في ظاهره عليه أن يحكم بالظاهر, وأما بالنسبة للمآل فإن الإنسان يرضى به لأمرين: الأمر الأول: لأن الله عز وجل لا يريد بعباده إلا خيرًا وإن نزل بهم ما في ظاهره شر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت