وقوله هنا: (ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله) فيه جواز لعن إبليس، لأن الله عز وجل لعن إبليس واستحق اللعنة، والأمر ذلك مقضي، ولكن عند ورود الموجب العظيم في بيان خطر اعتقاد أو قول فلا حرج على الإنسان من لعن من أوجب الله عليه اللعنة ولو كان ماضيًا أو هالكًا كفرعون، فللإنسان أن يقول: لعنه الله، أو هو ملعون، أو حال إبليس الذي قضى الله عز وجل عليه ذلك الأمر, ولكن نقول: إنه يجوز للإنسان أن يلعن من استوجبت عليه اللعنة ومن قضى الله عز وجل عليه ذلك إذا كان ثمة موجب؛ كأن يوجد -مثلًا- أتباع لفرعون، فإذا أراد الإنسان أن يبين تلك العقيدة ويبين ضلال صاحبها فيقول: لعن الله فرعون كيف يتبعه الناس! فهذا من الأمور الجائزة.
وفي مسألة القدر والإيمان به يجب على الإنسان -إذا أراد أن يؤمن بالقدر- أن يعلم بأن للإيمان بالقدر أركانًا وهي:
الركن الأول: العلم
الأول: الإيمان بعلم الله جل وعلا، وعلم الله سبحانه وتعالى السابق لكل الحوادث، وأن الله جل وعلا قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام. وهذا التقدير من الله جل وعلا للكون تقدير واقع وصائر من سائر الكائنات, سواء كانت أحياءً -يعني: حيوانات بهيمية أو ناطقة- أو كانت جمادات كالكواكب ومشيها، والتطام النجوم وسقوطها وغير ذلك، وكذلك ما كان من المعاني من الأزمنة، كتغير الليل والنهار، والنور والظلمة, وقيام الساعة، وتقلبات الأحوال, وكذلك من المعاني النفسية التي تطرأ للإنسان فإنها سابقة في علم الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن للإنسان أن يختص بشيء مما كان من علم الله جل وعلا إلا بسبب. وهذه الأسباب التي لا سبيل إلى علم الله جل وعلا إلا بها هي على نوعين: أسباب مشروعة، وأسباب طبيعية.