والعلماء في أبواب العقائد عند تصنيفهم خاصة المتقدمين فإنهم لا يسلكون طريقًا واحدًا في التصنيف في أبواب العقائد, وإنما يغايرون بين الأساليب والطرق بحسب ما يعيشونه في زمنهم من خلل في أبواب العقائد, ولهذا نجد في عقيدة سفيان الثوري عدم ذكر ما يتعلق بأبواب ربوبية الله جل وعلا, فجملة من مسائل الربوبية لا يذكرها؛ لأن تعلق البيئة التي هو فيها بيئة أهل الكوفة؛ إنما انحرفت في بعض مسائل الاعتقاد, ولهذا ربما يشير إلى بعض المسائل الفرعية التي هي من جهة الأصل، ولا تدخل في أبواب الاعتقاد، وإنما هي من فروع الدين, فذكرها لأنها هي الفيصل والفارق بين عقيدة أهل الإيمان وعقيدة أهل الابتداع.
وعلم العقائد مما ينبغي للإنسان أن يعتني به؛ لأنه هو الذي يدور عليه إيمان الإنسان من جهة السلامة, وأول ما يسأل عنه العبد, والله جل وعلا بعث الأنبياء كلهم إلى دعوة التوحيد, وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: (نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتنا شتى، وديننا واحد) , والمراد بذلك أنهم من جهة أصل العقيدة واحدة, ولكن الفروع وما يأتي مما يتعلق ببعض أجزائها فإنهم يتباينون في ذلك, ولهذا وجب أن يعتني الإنسان بمسائل العقيدة؛ لأنه لا تصح أعمال الإنسان إلا بصحة عقيدته, وهذا مما لا خلاف فيه, والله جل وعلا لا يبقي للإنسان كفة ثانية إذا لم يوجد لديه الإيمان, لهذا قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5] , يعني: أن ذلك العمل الذي يعمله الإنسان إنما هو تكلف، ولا يغني عنه من الحق شيئًا, ولهذا وجب تصحيح الاعتقاد؛ لأنه بوابة الصراط المستقيم والمدخل إليه, ومن رام اتباع الفروع بعيدًا عن الأصول فإنه عكس التشريع، وطلب شيئًا متوهمًا لا يوصله إلى الغاية المنشودة.