فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 176

في قول موسى هنا: (( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ ) )المراد بالفتنة هنا: ما يضل الإنسان به عن معرفة الحق, فكل ما أدى إلى عدم معرفة الحق بعينه فهو فتنة, وقد ذكر الله عز وجل المال وقال عنه فتنة؛ لأنه يفقد الإنسان معرفة الصواب ومعرفة مقاديره, ودليل هذا قول الله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48] , ومعنى قوله: (( ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ) )أي: قلب الموازين, فإذا لم يعرف الإنسان قيم الأشياء كما قدرها الله فقد وقع في الفتنة, وإذا صرف الإنسان عن عمل من أعمال البر فليعلم أنه قد وقع في الفتنة, وإذا قصر في عمل من الأعمال فقد فتن فيه. وقد ذكر الله عز وجل لنا عن المال والبنون والأهل أن هذا من الفتنة, وفي الحديث (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان على المنبر، فجاء الحسن و الحسين يتعثران بثوبيهما، فنزل إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] ) , يعني: أن مثل هذه الأمور التي يشترك فيها عمل البر، فإن من عمل البر رحمة الأبناء والإحسان إليهم, وهذه من الأمور الدقيقة التي لا يدركها إلا من كان في مقام النبوة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيئًا دقيقًا من أمر الفتنة في ذلك، فربما أن من الأبناء من يصرف الإنسان عن شيء فاضل إلى شيء مفضول, وهذه من المراتب العلية والدقيقة التي لا يدركها إلا نبي أو صديق. وأما ما دونها من الافتتان العظيم الذي يقع في الإنسان، وهي الفتن التي تصرف الإنسان عن أعمال البر؛ كالذي يسعى في كسب مال, ويصرفه ذلك عن الصلاة أو الصيام أو ذكر الله وطلب العلم فهذا من الفتنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت