هنا ذكر سفيان الثوري رحمه الله مسألة المسح على الخفين وهي من المسائل الفرعية، وربما يدعها الإنسان مع الإيمان بها تورعًا، أو ربما لا يحتاج إليها الإنسان دهرًا, أو أن الإنسان لا يلبس الخف والشراب مدى حياته، ولكن أورد هذه المسألة؛ لأن هذه المسألة أصبحت علَمًا للرافضة والخوارج, فإنهم لا يقولون بالمسح على الخفين، ويقولون بالمسح على الأقدام, ويردون المسح على الخفين، وذلك برد الأحاديث الواردة, ويقولون: إن المسح على الخف إقراره فضول, وقد أمرنا بالمسح على القدم.
وفيه إشارة إلى أنه ينبغي من تكلم على مسائل العقائد أن يؤصلها على معرفة العصريين له من أهل الضلال، والعالم الحق الذي يتكلم على قضايا العقائد وقضايا أهل البدع ونحوه ينبغي له أن يكون مستبصرًا بأقوال الطوائف في زمنه، ولا يليق بالعالم أن ينظر إلى طوائف أو تأصيلات وتقعيدات قديمة قد خلا منها زمنه الحالي، أو وجدت ولكن وجد ما هو أخطر منها، وينبغي لطالب العلم حتى في التدوين وكلامه على المسائل ونحو ذلك أن يمثل ويبين مسائل العلم للناس في مسائل الفروع لأمور مشاهدة ومسائل العقائد في الفرق والطوائف المشاهدة المعلومة، ويدلل على ذلك كتابًا وسنة بأقوال السلف الصالح. ولهذا نقول: إن كثيرًا من تقريرات طلاب العلم أو الفقهاء من المعاصرين إنما هي حكايات لأقوال أئمة سالفين لا يفهمها الإنسان في زمنه، وهذا لا ينبغي أن يستمسك به الإنسان؛ لأن الله عز وجل إنما أمرنا بالتمسك بكتابه وسنته وبعمل القرون المفضلة؛ كما في الصحيح من حديث عمران بن حصين: (خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم) ، أما ما عدا ذلك من اصطلاحات الفقهاء فينبغي ألا نستمسك بها.