وطوائف الضلال والزيغ في أمثال هذه المسائل يترددون، ويستجيبون بحسب ما يقع في قلوبهم من لوازم، ولو استرسل الإنسان في لوازم أصول الباطل وقع في ضلالٍ متناهٍ لا حد له، فتتساقط أحكام الشريعة كحال تساقط الأعمدة، يضرب بعضها بعضًا حتى لا يبقى من الشريعة أصل ولا فرع، ولو التزموا بذلك وألزموا به فعليه لا يوجد خير ولا شر في جميع الأفعال، وحتى الأخلاق لا يوجد فيها خير ولا شر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يا شعيب بن حرب! والله ما قالت القدرية ما قال الله، ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قالت النبيون، ولا ما قال أهل الجنة، ولا ما قال أهل النار] .قوله: (ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قال النبيون) فيه إشارة إلى أن هذا ليس من الوحي، والوحي منه براء، ومنه نعلم أن شريعة الإسلام ما جاءت إلا بواسطة الأنبياء عن الملائكة عن رب العالمين. يقول أحمد بن زيد بن هارون: (إنما هي -يعني: الشريعة- صالح عن صالح, وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله، ورسول الله عن جبريل , وجبريل عن الله) . وهذه هي الشريعة, فلا يوجد شيء لدينا من علم الدين ينتهي إلى أحد إلا بهذا الإسناد، ومن جاء بشيء من الدين عن غير هذا الإسناد فهو دين مختص له وليس لنا، ولهذا قال: (ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قالت النبيون) بعد قوله: (ما قال الله) , ففيه إشارة إلى الإسناد الذي ينتهي بالعلم, وذلك أن العلم هو إلى الله سبحانه وتعالى. والملائكة: هم من عباد الله عز وجل، وإنما سموا ملائكة من الألوكة، والألوكة: هي الرسالة؛ لأنهم يحملون الرسالة، فاشتق لهم من محمولهم اسمًا.