وبهذا نعلم أن مقادير الصغائر والكبائر يرجع فيها إلى أمرين: يرجع فيها إلى تفسير النص الوارد في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا إلى أصل منشأ ذلك العمل، ومنشأ ذلك العمل هو حضور القلب أو الجهل بذلك المعلوم.
والإنسان قد يصل إليه النص؛ أن الله عز وجل قد حرم ذنبًا بعينه، ووصول النص إليه إما أن يكون يقينيًا، وإما أن يكون ظنيًا، فإذا كان يقينًا قد حرمه الله جل وعلا وثبت لديه ذلك؛ فإقباله على تلك المعصية موبق ومهلك، بخلاف الذي يصل إليه التحريم على سبيل الظن، وهذا مقتضى قول الله جل وعلا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، فبقدر بيان الرسول وحجته على قومه من المبشرين والمنذرين وقدر ذلك البلاغ هل هو مباشرة أو بوسيط؟ فإنه يضعف العمل عند الله عز وجل ويقوى. وهذا الكلام في مسائل قوة الأعمال وضعفها مما يتكلم عليه العلماء في مسائل أعمال القلوب وفي أبواب الصغائر والكبائر. ويصنف العلماء رحمهم الله في أبواب الكبائر مصنفات كثيرة ولا يصنفون في أبواب الصغائر؛ لماذا؟ لأن الصغائر أكثر ورودًا على جوارح الإنسان، وهي تصل إلى درجة الكبائر، ولكن الكبائر يندر أن تصل إلى درجة الصغائر؛ لهذا لا يصنفون في أبواب الصغائر، وكذلك من المصلحة حتى لا يتجرأ الناس عليها. وكذلك فإن من وجوه ضعف الإيمان: ورود المعصية على الإنسان وورود الطاعة، فبقدر العمل يقوى الإيمان، فإذا جاءت الحسنة عظيمة قوي عمل الإنسان لا لعدد ذلك العمل، وكذلك بالنسبة للمعصية، فإذا أتى الإنسان بذنب واحد كبير أعظم عند الله عز وجل ممن يأتي بصغائر متعددة، وذلك أن نقصان المعصية يرتبط بالعدد وكذلك بالنوع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية، ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة] .