فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 176

والمراد بالضلال الذي قصده موسى عليه السلام في قوله: تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف:155] هو النوع الثاني وليس الأول, وقد يدخل الأول في ذلك من جهة العموم، ولكن ظاهر السياق أن المراد بذلك هو النوع الثاني؛ لأن ذلك كان بعد سياق بيان الحجج على بني إسرائيل, وأنه قد استفرغ وسعه في بيان الحجج وذكر الدلائل، فضل من ضل في اتباع موسى عليه السلام, وقد بين الله جل وعلا حال بني إسرائيل مع موسى، وذكر أنهم عرفوا الحق بالباطن وما آمنوا به بالجوارح؛ كما قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] , وهذا هو غاية الفتنة، يعني: أنهم عرفوا الحق وما اتبعوه.

وفي الآية السابقة إشارة إلى أن مشيئة الله عز وجل هي القاضية على العباد, فإذا علم الإنسان ذلك فينبغي له أن يكل العلم إلى عالمه, وعليه أن يتضرع إلى الله عز وجل, وألا يسعى سعيًا مستميتًا لالتماس الحجج معرضًا عن التماس برهان الله سبحانه وتعالى لعباده, فكم من الناس من ظهرت له الحجج أظهر ما تكون لكنه تركها؛ كما ظهرت لكفار قريش! ونحن في زماننا آمنا على حجج هي دون ما ظهرت في كفار قريش؛ لأن القرآن نزل على لسانهم فصاحة, ونحن نتلقى القرآن الآن كما يتلقاه العجم, وإن كنا عربًا ومن سلالة العربية، ولكن دخلت العُجمة على الناس, ولم ندرك ما يدركه كفار قريش, فهم يعرفون الألفاظ والسياقات والدلالات والمعاني التي أرادها الله عز وجل حاضرة شاهدة أمامهم؛ ومع ذلك أعرضوا عن الإيمان بما أراده الله سبحانه وتعالى, فينبغي للإنسان -إن وفقه الله عز وجل إلى شيء من الإيمان- أن يكل هذا التفويض إلى الله كحال الملائكة, وإن حرمه الله عز وجل شيئًا من استبانة بعض طرق ووجوه الهداية والراجح والمرجوح في بعض المسائل فعليه أن يلتمس ذلك من الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت