والمراد بوصف القدر بالخير والشر؛ المراد بذاته لا بآثاره، ولهذا القدر قد يكون خيرًا بذاته، ثم تكون آثاره شرًا على أحد دون أحد، وقد تكون بعض الأقدار شرًا في ذاتها، ولكن لها آثارًا خيِّرة، وحال النظر في القدر فإنه خير كله، وحال نسبة الخير والشر لله جل وعلا على سبيل الإجمال أمر معلوم، وظاهر القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد ذلك, ولكنه هنا نسب الخير والشر إلى القدر، ولهذا قال: (حتى تؤمن بالقدر خيره وشره) .والقدر مقدر من الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر معلوم.
أما نسبة الشر لله جل وعلا، كأن نقول: هذا الشر من الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يجوز، ولا يليق بإنسان أن يصف أو ينسب الشر لله جل وعلا، أو يقال: إن الله خلق الشر. فهذا ليس من الأدب، وإنما ينسب الشر لله جل وعلا بحالين: الحال الأولى: أن يكون ذلك على سبيل الإجمال، فيكون ذلك من ضمن مجموع مخلوقاته، فيقال: إن الله جل وعلا خلق الخير والشر؛ كما في قول الله جل وعلا: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:1 - 6] ، فذكر الله عز وجل الشر ونسبه إلى أسبابه، وأسبابه قد خلقها الله جل وعلا، ولهذا قال: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس:4 - 5] ، والله جل وعلا قد خلق الجن والإنس كما في قوله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] .