وهنا في قوله: (حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل به) فيه إشارة إلى عدم الركون إلى فضول القول, وأنه ينبغي للإنسان أن يعتني بالزبدة والخلاصة, وهذا مما ينبغي للإنسان أن يحرص عليه, ولهذا قال: (ينفعني الله به) ، وهذا فيه إشارة إلى ثقته بسفيان الثوري , وأنه ينبغي للإنسان أن يحرص على ما ينفعه, بعيدًا عن ميل الإنسان ونهمه إلى نوع من العلوم الذي يعد من الفضول, فالإنسان ربما يميل إلى نوع من العلوم، ويكون من الفضول؛ كالذي يميل إلى بعض الأخبار والقصص والحكايات، وهو قد ترك مسائل العقائد, ولكن نقول: ينبغي للإنسان أن يتدرج في ذلك, فإن استوعب ما يجب عليه عينًا فإنه ينصرف إلى غيره مما يأخذه الإنسان من فضول العلم؛ كمسائل الأخبار والآثار والتاريخ والمغازي, وأخبار الأمم وأحوالهم, والأنساب وغير ذلك, التي تعد من فضول العلوم, وليست من الأصول العامة في ذلك.
قال: (فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى) إيراد هذه العبارة من شعيب بن حرب إلى أنه لا يريد بذلك مزيد تعلم وتفقه مجرد, وإنما هو يريد بذلك اعتقادًا وعملًا يسأل عنه يوم القيامة, بخلاف الإنسان الذي يريد بذلك علمًا مجردًا يتزود به, علمًا متسعًا من أقوال الموافقين وأقوال المخالفين وغير ذلك, ولكنه أراد بذلك الكفاية في أن يجيب الله جل وعلا عند سؤاله له عما يعتقد. وفي هذا إشارة إلى أن الإيمان بأن الله جل وعلا يسأل الإنسان عن عقيدته دافع للإنسان أن يمحص عقيدته, وأن يتجرد في ذلك, ولهذا لما استقر هذا الأمر وخوف الله جل وعلا في قلب شعيب بن حرب أراد أن يعد للسؤال جوابًا, وهذا من كمال العقل ورجاحته, ومن خشية العاقبة.
وفي قوله: (وقفت بين يدي الله) إشارة إلى أن الله جل وعلا يسأل كل عبد من عباده ليس بينه وبينه حجاب.