وقد وقع الخلاف هل ما بعد القرن الثالث أو القرن الثالث وما بعد هل التفاضل في ذلك يكون على سبيل التدرج أم يستوي الناس، فربما يأتي قرن بعد ذلك يفضل ما سبقه من قرون، ويستثنى من ذلك القرون المفضلة؟ هذا من مواضع الخلاف, والذي يظهر والله أعلم أن أفضلية القرون ذلك من جهة مجموعها على سبيل التدرج في التغليب, فقد يأتي قرن متأخر أفضل مما سبقه, والدليل عليه ما جاء في البخاري من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه) , وجاء من حديث عبد الله بن مسعود قال: (لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه, لا أقول: عام أبطل من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير, ولكن ذهاب علمائكم) , في إشارة إلى مسألة التغليب, ولكن قد يصح في زمن ما هو أفضل من زمن آخر, والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد امتدح زمن المهدي, فإنه ينشر العدل بعدما ملئت الأرض ظلمًا وجورًا من قبل, مما يدل على أن هذا الأمر له استثناء بالنص الشرعي, فإذا استثني بالنص الشرعي فإنه لا حرج من استثنائه في أكثر من موضع؛ وإذا منعنا الاطراد في موضع فلا حرج من الزيادة في ذلك شريطة ألا يخرج هذا عن التغليب النصي بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: (حدثني بحديث من السنة) السنة المراد بذلك هو الكتاب والسنة؛ لأنه أراد بذلك الطريقة, وهذا من بعض الألفاظ التي يطلقها السلف في هذا, وهذا فيه جملة من المعاني: أولها: أن يكون الحديث من السنة وليس منك, وفي هذا إشارة إلى أنه لا حرج على السائل أن يسأل الدليل من العالم, وكذلك ينبغي للعالم أن يتواضع، وألا يعنف على من طلب منه الدليل, فإن في ذلك إنصافًا وعدلًا, وإقامة للحجة, وفيه من التواضع ما فيه.