وفيه أهمية الاستفصال في حال ورود الإجمال خشية أن يفهم الإنسان الكلام على غير وجهه، فسأله وقال: (الصلاة كلها؟) لورود شيء من المعاني مما يندرج تحتها من صلاة النوافل، فإن ثمة صلاة التراويح، وكذلك الفرائض درجاتها تتباين؛ كالصلوات الخمس والجمع ونحو ذلك، ولكنه قال: (لا. ولكن صلاة الجمعة والعيدين خلف من أدركت) , فذكر الجمعة والعيدين على سبيل الانفراد، ولم يذكر الصلوات الخمس؛ لأن الجمعة هي التي يجمع عليها أهل البلد، والناس في الزمن السابق كانوا يجتمعون على مسجد واحد؛ فتجد في الكوفة مسجدًا واحدًا يصلي فيه الناس الجمعة، وإن وجد من يصلي في أطراف البلدة، وقد كان هذا أيضًا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتجد مثلًا مسجد بني زريق ومسجد قباء لا يصلى فيهما الجمعة، بل تصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك ذكر الجمعة؛ لأنها آكد. وأما بالنسبة للصلوات الخمس، فإن المساجد في ذلك تتعدد؛ والسلاطين في الصدر الأول وفي القرون الأولى -بل إلى أزمنة متأخرة- كانوا هم الذين يصلون بالناس, وهم الذين يخطبون الجمع إلى عهد الدولة العثمانية، بل ومنهم من كان يصلي أيضًا جميع الصلوات بالمسلمين، ويخطبون الجمع ولو كانوا فساقًا، ويرون أن هذا من أهم مقاليدهم، ويرون ذلك سببًا للاقتداء بهم، وأنه يجعل لهم حظوة عند الناس عندما يجتمعون خلفهم اقتداءً بصلاتهم واهتداءً بهديهم ونحو ذلك، وكان الحجاج -مع فسقه وظلمه- يقوم ويخطب ويصلي بالناس الجمعة ويقول لهم: اتقوا الله. فينبغي أن يصلي الناس خلف أئمة الجور، وهذا في صلاة الجمع.