فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 176

وأما موقف الإنسان من المشيئة فنقول: قد تقدم معنا ما يتعلق بمسألة الاحتجاج بالقدر على المعاصي والذنوب التي وقعت من الإنسان، وذكرنا أنه لا يجوز للإنسان أن يحتج على معصية فعلها بالقدر ويبقى عليها، وإنما يجب عليه أن يبادر بتركها والتوبة منها, فإن بادر وتاب احتج بعد ذلك بالقدر على ما مضى, وأن الله عز وجل قضاه عليه وقدره, وهذا يظهر في اختصام آدم وموسى حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فحاج آدم موسى) , أي: غلبه في أبواب المناظرة في ذلك, فيجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها, وأما في حال الوقوع على المعصية فهذه طريقة الجاهليين وسيدهم في ذلك إبليس؛ لأنه احتج على ربه بأنه كتب عليه اللعنة وطرده, فأراد المضي في هذا الطريق, وهذه طريقة المشركين الذين قالوا: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:20] , بمعنى: بما أن الله عز وجل قضى علينا عبادة الأصنام والأوثان من دونه فلا يمكن أن ننصرف عن ذلك, وقد تبعهم على ذلك من قالوا: إن الله عز وجل جبر العباد على عمل من الأعمال فلا بد أن يصيروا إليه. وهؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك هم الجهمية وغيرهم الذين جعلوا العبد إن عبد صنمًا أو شجرًا أو وثنًا فإنه عبد الله سبحانه وتعالى, وتقدم التدليل في قوله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] , فالقضاء هنا المراد به: الأمر؛ وقد جاء ذلك عن عبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود وغيرهم من المفسرين من الصحابة والتابعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت