وقد نجد أن من يؤمن على أيدي أتباع الأنبياء أكثر من الذين يؤمنون على يدي النبي بذاته, فنجد الذين دخلوا الإسلام على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل من الذين دخلوا على يد أصحابه عليه الصلاة والسلام؛ والعلة في ذلك أنه خاطب الرموز والعلية من الأمم، فهو يصلح للرموز, بخلاف العامة. وقد ذكر لي أحد الدعاة أنه دعا سنين طويلة، ولم يسلم على يديه أحد, وأما الذين يرافقونه من العامة فيسلم على أيديهم الكثير, ولهذا لم يفوت الله عز وجل الفضل للرموز, فإنه (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة) , وكل من دخل في الإسلام فمرده إلى محمد صلى الله عليه وسلم أجرًا وثوابًا. وإذا كان الداعي إلى الله ينشر الدعاة إلى الله فإن من يسلم على أيديهم هو امتداد له, ولو كان باقيًا؛ لأن خطابه لا يصلح للعامة، وإنما يصلح للرموز, ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كسرى ويخاطب قيصر، ويخاطب ملك دومة الجندل وأمثاله، فإذا آمن هؤلاء آمن من بعدهم, وأما أصحابه فبعثهم رسلًا إلى من دونهم لتباين الخطاب, وهذا أمر معلوم, ولهذا تجد بسطاء الناس يهتدي على أيديهم, بالبساطة, وبالعمل والإحسان, وربما بشيء من الغفلة والإعجاب ببعض السلوك ونحو ذلك, وأما الرموز فإنه لا يؤمن معهم إلا الرموز. والرموز في الغالب معاندون؛ لأنهم أصحاب أتباع, ولهذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرى وقيصر لم يدخلا في الحق؛ لأنهما خشيا على الكراسي التي هم عليها, فبقيا على الباطل وما آمنا بالحق. ولهذا السبب نقول: إن العامة يقصرون عن فهم حجج العلية, وكذلك فإن الخطاب إلى الرموز يحملهم على تفويت حظهم عند العامة، فيمنعهم من اتباع الحق.