وبلوغ الحجة على الوجه المشروع أن يكون الإنسان واعيًا منصتًا لذلك القول, بمعنى: ألا يكون مثلًا في وضع لا يدرك ذلك؛ كأن يكون الإنسان في حالة نوم أو إغماء أو شغل أو نحو ذلك, بل ينبغي أن يكون واعيًا مدركًا لذلك, وكذلك أن يكون بلغته التي يفهمها, فلو خوطب بشيء من أمر الدنيا على ذات النسق والسياق, وفهم ذلك, قامت عليه الحجة, ولهذا قال الله جل وعلا: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] .ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) , فقال: (يسمع بي) يعني: مجرد السماع أن هذا نبي أرسله الله, فيجب أن تؤمن به, وهذا كافٍ لوجوب الاتباع, وكذلك فإن العقاب يتحقق في عدم الاتباع في قوله: (لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار) , يعني: كان يهوديًا أو نصرانيًا. القول الثالث: يجوز الاعتقاد في مسائل العقائد ومسائل الفروع مع فهم الدليل أو فهم الاستدلال أو عدمه, والتقليد في ذلك لا يقال بنفيه مطلقًا ولا بإثباته مطلقًا، وإنما هو بحسب الأصول العامة, ولهذا قلد فئام من كفار قريش أسيادهم، وبقوا على ما هم عليه, وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22] , فهؤلاء يقلدون أقوامهم, إذًا نصوا هم على التقليد, ومع ذلك الله عز وجل منعهم من هذا التقليد, ولو كان التقليد في ذلك صحيحًا لصحت مخالفتهم للأنبياء, ودل ذلك على بطلان ذلك, وأنهم في تقليدهم لهذا الأصل أصحاب مخالفة وأصحاب شر, وأنهم يجب عليهم أن يتبعوا الحق الذي لا يصح الإسلام إلا به.