والقرآن أنزله الله سبحانه وتعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل الخطاب فيه عامًا، وهذا القرآن هو كلام الله جل وعلا، فهو يوصف بأنه كلام الله، ويوصف بأنه المسموع، ويوصف بأنه القول، ولهذا قال الله جل وعلا: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى [آل عمران:55] ، والله سبحانه وتعالى تكلم به وسماه كلامه سبحانه وتعالى، فأسماء كلام الله جل وعلا متعددة, وأوصافه أيضًا متنوعة، وكلما تعددت الأسماء وتنوعت الأوصاف دلت على سعة الكمال. وقد جاء عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى أنه قال: (فضل كلام الله على غيره من الكلام كفضل الله على غيره) ، فإذا أدرك الإنسان فضل الله جل وعلا على سائر مخلوقاته فإنه يدرك فضل كلام الله جل وعلا على سائر الكلام. وإنما قيدنا (المتعبد بحروفه المحفوظ) ليخرج من ذلك ما كان من غيره مما يوصف بأنه من كلام الله جل وعلا؛ كالأحاديث القدسية، وكذلك ما كان من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، ويقول الأوزاعي كما رواه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع: (إن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما نزل عليه بالقرآن) ، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3 - 4] .والنبي صلى الله عليه وسلم ما تكلم بشيء من عنده, فهو إما أن يأتي بشيء من اللفظ، ويكون هذا اللفظ من الله سبحانه وتعالى, وإما أن يأتي بشيء من المعنى، والمعنى من الله جل وعلا، وهذا يدخل فيه الأحاديث القدسية، ويدخل فيه الأحاديث النبوية التي هي من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظًا، ومعناها من الله. والأصل في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وحي، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحي يتلى، ونص عليه الشافعي أيضًا في كتابه الأم.