فهرس الكتاب
عنده فرض واحد لا بد من المطابقة بينه وبين حقائق التاريخ، فعرضها عليه يشد منها القصير ويبتر منها الطويل ليجعلها كلها منطبقة تمامًا على فرضه، فكان نصيب الحقائق من المسخ على يديه ما كان نصيب ضيوف بركرستيس، لم ينج منها إلا ما وافق فرض هذا كما لم ينج من أولئك إلا ما طابق سرير ذاك. لكن ما مات منها لم يمت ولا يموت إلا في ذهن من أخذ بمبدأ صاحب الكتاب) [1] .
أما السبب الثالث فهو سوء النية، وقد فضح الغمراوي ذلك واستدل عليه من صريح كلام الدكتور طه حسين أو من خفيّه، وحاول استشفاف أبعاد أوسع وأعمق يمكن أن يكون قد رمى إليها. وغرضه من بحثه هو أن يسلب اللغة أدبها كله، ويسلب أهل اللغة كل تاريخ لغتهم وشيئًا كثيرًا جدًا من تاريخهم [2] باصطناعه تجديد الأدب وفق منهج الشك، فتساهل في ذلك كل التساهل ولم يقلبه أدنى تقليب، لأنه لا يريد الوصول إلى الحق، بل إلى تأييد رأيه من أي طريق [3] ، حتى لو كان ذلك بوقوفه من الإسلام موقفًا سيئًا في أمر لا علاقة للإسلام به ألبتة: أمر وضع الشعر وكذبه على الجاهليين [4] . لا ننسى في ذلك الإشارة إلى حبه للشهرة واجتذاب الأنظار حتى لو جافى لذلك الحقيقة [5] .
وبعد أن انتهينا من أسباب الفساد الذي أراد الغمراوي إثباته ننتقل إلى كيفية معالجته لهذا الفساد.
فقد اعتمد الغمراوي على التحليل المنطقي لاستنتاجات الدكتور طه حسين، وأصدر عليها حكمًا علميًا مستندًا لأسس قوية من نظر وعقل وعلم ونقول عن القدماء من العلماء [6] ، مما ينم عن عقلية واعية متفتحة قادرة على التفريق والتدقيق والتحليل العميق وحسن النظر وعلمية التفكير. وكان المنطق وقواعده
(1) ـ 274.
(2) ـ 101.
(3) ـ 166.
(4) ـ 238.
(5) ـ 78.
(6) ـ 30.