فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 341

أراد أن ينبه إلى أنه ليس هناك ما يمنع من أن تصح نسبتها إلى جليلة مع ضعف سندها.

وقد عمم الخضر حسين أخيرًا النظرة للعصر جميعًا في حكمه على قصيدتي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، وهي ذات النظرة التي أتت صراحة عند الخضري وكناية عند الرافعي، فقال إن شأن من يريد نفي القصيدة أن يعتمد على مخالفتها لأسلوب ذلك العصر ويشرح ذلك الأسلوب ويقيم البينة على أن هذه الصورة صادقة. لكنه لم يفعل ذلك بل زعم أن العرب وربيعة ما كانت تتحدث هكذا، ولم يخطر بباله أن يقول كلمة تصور طريقة الحديث في ذلك العهد، وتثبت أن تلك السهولة لا تطوع بها ألسنتهم [1] . وهنا إشارة علمية من الخضر تبين افتقار المؤلف إلى الحجج والبراهين.

ثم تنبه إلى التناقض أيضًا، وذلك حين شرح كيف ظن أن ميزة الشعر الجاهلي أن يخرج في رصانة ومتانة، وبالتالي فسيكف المؤلف بأسه عن قصيدة الحارث ويدعها لصاحبها، فلم يلبث أن انقلب على تلك الرصانة والمتانة وجعلها منحولة. وتساءل الخضر في منطقية إن كانت الرصانة كاللين لا تحمي الشعر من الرمي بالتزوير فما هو الداعي إلى المقايسة بين القصيدتين؟ لا يبقى لها وجه سوى أن يدلل على أنه يميز لين الشعر من خشنه [2] . ورد الخضر هنا ينفي صفة العلمية عن المسألة، ويوضح تناقض المؤلف وتردده في مقاييسه.

ومن الحق أن الصنعة الفنية واضحة في شعر الحارث بن حلزة أكثر منها في شعر عمرو. وقد تنبه بعض القدماء إلى مكانة الحارث الفنية بين شعراء العرب. واختلف الدارسون في الحكم الفني بين الشاعرين. وأول ما نلاحظه من ذلك أن الحارث يحرص على أن يبدو في قصيدته سيدًا مهيبًا، وشيخًا وقورًا، وليس شابًا نزقًا أهوج، وهو لذلك يبدو أكثر متابعة لتقاليد القصيدة الجاهلية المقررة من صاحبه الذي يتحدى فيما يتحدى تلك الطقوس الفنية المعروفة التي جرى عليها الشعر الجاهلي. والحارث بذلك أكثر تعبيرًا عن هدوء نفسه وبعده

(1) ـ 337.

(2) ـ 340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت