فهرس الكتاب
ومعالي الهمم فمعرفة أنه أملك الناس لشهوته لا تحتاج إلى سؤالٍ أو استفتاءٍ؛ ثبت في صحيح البخاري برقم 260 قال أنس - رضي الله عنه: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ.
قلتُ: إن قولَ أنسٍ - رضي الله عنه - في الحديثِ كان على سبيلِ المبالغةِ في القوةِ لا أكثر.
إذًا: كان هذا أمرًا مفروغًا منه، ومعلومًا عند الجميع ....
ثم إننا لم نسمع أن واحدً من الصحابة - رضي الله عنهم - أو المنافقين أو المشركين أنكر على عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ما قالته، وفهم كما فهم المعترضون بقولهم .... - قبحهم الله-.
يُدعم ما سبق هو ما قاله ابنُ حجرٍ في الفتحِ في قولِها: (يَمْلِك إِرْبه)
بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ مُوَحَّدَة، قِيلَ الْمُرَاد عُضْوه الَّذِي يَسْتَمْتِع بِهِ، وَقِيلَ حَاجَته، وَالْحَاجَة تُسَمَّى إِرْبًا بِالْكَسْرِ ثُمَّ السُّكُون وَأَرَبًا بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالرَّاء، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحه أَنَّهُ رُوِيَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ، وَأَنْكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَر كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره عَنْهُ رِوَايَة الْكَسْر، وَكَذَا أَنْكَرَهَا النَّحَّاس. وَقَدْ ثَبَتَتْ رِوَايَة الْكَسْر، وَتَوْجِيههَا ظَاهِر فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهَا، وَالْمُرَاد أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَمْلَك النَّاس لِأَمْرِهِ، فَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ مَا يُخْشَى عَلَى غَيْره مِنْ أَنْ يَحُوم حَوْل الْحِمَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يُبَاشِر فَوْق الْإِزَار تَشْرِيعًا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَة الْمَالِكِيَّة فِي بَاب سَدّ الذَّرَائِع. وَذَهَبَ كَثِير مِنْ السَّلَف وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق إِلَى أَنَّ الَّذِي يُمْتَنَع فِي الِاسْتِمْتَاع بِالْحَائِضِ الْفَرْج فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن مِنْ الْحَنَفِيَّة وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَهُوَ اِخْتِيَار أَصَبْغ مِنْ الْمَالِكِيَّة، وَأَحَد الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الْأَرْجَح دَلِيلًا لِحَدِيثِ أَنَس فِي مُسْلِم"اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا الْجِمَاع"وَحَمَلُوا حَدِيث الْبَاب وَشَبَهه عَلَى الِاسْتِحْبَاب جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مَا يَقْتَضِي مَنْع مَا تَحْت الْإِزَار؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. اِنْتَهَى. وَيَدُلّ عَلَى الْجَوَاز أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِض شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجهَا ثَوْبًا، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى الْجَوَاز بِأَنَّ الْمُبَاشَرَة تَحْت الْإِزَار دُون الْفَرْج لَا تُوجِب حَدًّا وَلَا غُسْلًا فَأَشْبَهَتْ الْمُبَاشَرَة فَوْق الْإِزَار. وَفَصَّلَ بَعْض الشَّافِعِيَّة فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَضْبِط نَفْسه عِنْد الْمُبَاشَرَة عَنْ الْفَرْج وَيَثِق مِنْهَا بِاجْتِنَابِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيّ. وَلَا يَبْعُد تَخْرِيج وَجْه مُفَرِّق بَيْن اِبْتِدَاء الْحَيْض وَمَا بَعْده لِظَاهِرِ التَّقْيِيد بِقَوْلِهَا"فَوْر حَيْضَتهَا"، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أُمّ سَلَمَة أَيْضًا أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَّقِي سَوْرَة الدَّم