فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 1332

هذا الخبر مجرد بلاغ، ومعروف أن البلاغات في مصطلح علماء الحديث: إنما هي مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن (صحيح البخاري ج 9 ص 38، طبعة التعاون) .

وقد علق الإمامُ ابنُ حجر العسقلاني في فتح الباري (ج 12 ص 376) بقوله:"إن القائل بلغنا كذا هو الزهري، وعنه حكى البخاري هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال الكرماني: وهذا هو الظاهر".

هذا هو الصواب، وحاش أن يقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ وهو إمام المؤمنين ـ على الانتحار، أو حتى على مجرد التفكير فيه. وعلى كلٍ فإن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان بشرًا من البشر ولم يكن ملكًا ولا مدعيًا للإلوهية. والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان - صلى الله عليه وسلم - يعتني بها، وقد قال القرآن الكريم في ذلك: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا} (الإسراء 93) .

ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - في علوم عصرنا - بالإحباط أو الضيق فهذا أمر عادى لا غبار عليه؛ لأنه من أعراض بشريته - صلى الله عليه وسلم -.

وحين فتر (تأخر) الوحي بعد أن تعلق به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يذهب إلى المكان الذي كان ينزل عليه الوحي فيه يستشرف لقاء جبريل، فهو محبّ للمكان الذي جمع بينه وبين حبيبه بشيء من بعض السكن والطمأنينة، فماذا في ذلك أيها الظالمون دائمًا لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يأتي وما يدع؟

وإذا كان أعداء محمد - صلى الله عليه وسلم - يستندون إلى الآية الكريمة: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } (الكهف) . فالآية لا تشير أبدًا إلى معنى الانتحار، ولكنها تعبير أدبي عن حزن النَّبِيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - بسبب صدود قومه عن الإسلام، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس إلى الله - عز وجل -، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور. وهذا خاطر طبيعي للنبيِّ الإنسان البشر الذي يعلن القرآن على لسانه - صلى الله عليه وسلم - اعترافه واعتزازه بأنه بشر في قوله - ردًا على ما طلبه منه بعض المشركين: {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا 90} أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا {91} أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت