وعليه: فليس في القصة ما يفيد احتقاره - صلى الله عليه وسلم - للأعمى، فإنه لم يُعرض عن ابن أم مكتوم قاصدًا إساءته، ولا استصغارًا لشأنه ... وإنما فعل ذلك حرصًا منه على أن يتفرغ لما هو فيه من دعوة أولئك الصناديد الذين يقفون ضد دعوته، فقد كان كثيرا الحزن عليهم - صلى الله عليه وسلم - لأعراضهم عن دعوته، وعدم الإيمان برسالته حتى قال له ربُّه - سبحانه وتعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفا} (الكهف 6) .
جاء في التفسيرِ الميسر: فلعلك - أيها الرسول- مُهْلِك نفسك غمًّا وحزنًا على أثر تولِّي قومك وإعراضهم عنك، إن لم يصدِّقوا بهذا القرآن ويعملوا به. اهـ
وعليه فإن ما وقع من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذه القصةِ ليس بخطأ منه؛ وإنما هو ترك أولي، وهو من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين) لأنه لم يكن يعلم أن اللهَ - سبحانه وتعالى - سيعاتبه في كتابِه المجيد بهذا الشأن؛ لذلك تذكر الرواياتُ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان بعد ذلك إذا رأى ابنَ مكتوم - رضي الله عنه - يبسط له رداءه ويقول:"مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي".
يدلل على ما سبق هو ما جاء في الآتي:
1 -تفسير الألوسي: {عَبَسَ وتولى * أَن جَاءهُ الاعمى} الخ روى أن ابن أم مكتوم وهو ابن خال خديجة واسمه عمرو بن قيس بن زائدة بن جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي القرشي وقيل عبد الله بن شريح بن مالك بن أبي ربيعة الفهري والأولى أكثر وأشهر كما في «جامع الأصول» وأم مكتوم كنية أمه واسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية وغلط الزمخشري في جعلها في «الكشاف» جدته وكان أعمى وعمى بعد نور وقيل ولد أعمى ولذا قيل لأمه أم مكتوم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة يناجيهم ويدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم فقال يا