إن كل ما في الحديث أن النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بال جالسًا، فندهش بعض الصحابة لذلك؛ لأن العرب يبولون قيامًا فكان هذا أمرٌ غريبٌ عليهم فقال بعضهم لبعض بتسرع دون تفكر:"انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَة".
وكان الهدف منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - تعليمهم أن ذلك أدعى للتستر أكثر، والتحرز من رشاش البول مع العلم انه كان يبول قائمًا وجالسًا، ولو كان الأمرُ فيه سُباب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ... ما كان يقول: ويحك، لأن (ويحك) كلمة تقال لمن ينكر عليه فعله مع ترفق وترحم في حال الشفقة، ثم قص عليهم القصة التي في الحديث ... دليل ذلك ما جاء في كتب الشروح كما يلي:
1 -فتح الباري لابن حجر: قَالَ اِبْن بَطَّالٍ: دَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى الْقُعُودِ بِطَرِيق الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ قَائِمًا فَقَاعِدًا أَجْوَزُ. قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَنَة الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ وَغَيْرهمَا فَإِنَّ فِيهِ:"بَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسًا فَقُلْنَا:"اُنْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولَ الْمَرْأَة", وَحَكَى اِبْن مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَنَة"قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَة"وَقَالَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة"فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ"وَدَلَّ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن الْمَذْكُورُ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ فَيَقْعُدُ لِكَوْنِهِ أَسْتَرَ وَأَبْعَدَ مِنْ مُمَاسَّة الْبَوْل وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَة قَالَتْ:"مَا بَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ". رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ. اهـ"
2 -عمدة القاري شرح صحيح البخاري: وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى جسد أحدهم قوله انظروا إليه يبول كما تبول المرأة وهذا القول منهما من غير قصد أو وقع بطريق التعجب أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل فلذلك قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقوله الم تعلموا الخ ولم يقولون هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف لأن الصحابة براء من هذا الكلام وأراد بصاحب بني اسرائيل موسى - عليه الصلاة والسلام- فان قلت كيف يترتب قوله فعذب على قوله فنهاهم قلت فيه حذف تقديره فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا فعذب الله تعالى و الفاء في فعذب فاء السببية نحو قوله تعالى فوكزه موسى فقضى عليه (القصص 15) قوله قرضه