ثالثًا: إن قيل: كيف أرضعت سهلةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سالمًا - رضي الله عنه - لما قال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم:"أرضعيه"هل أرضعته بالتقامِ الثدي مباشرة وهو رجل ذو لحية، أم حلبت في أناءٍ ثم أرضعته دون أن يمس ثديها؟!
قلتُ: إن الجواب على السائل يتضحُ من خلالِ ذكرِ أقوالِ العلماء في هذا الشأن كما يلي:
1 -نقل الأمامُ النوويُّ في شرحِه لمسلم عن القاضي عياض قائلًا: قَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّهَا حَلَبَتْهُ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَمَسّ ثَدْيهَا وَلَا اِلْتَقَتْ بَشَرَتَاهُمَا، وَبِهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حَسُنَ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ عُفِيَ عَنْ مَسّه لِلْحَاجَةِ كَمَا خُصَّ بِالرَّضَاعَةِ مَعَ الْكِبَر وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ
2 -قال الإمامُ ابنُ عبد البر في شرح الزرقاني: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه فأما أن تلقمه المرأة ثديها فلا ينبغي عند أحد من العلماء، وهذا ما رجحه القاضي والنووي. اهـ
2 -قال ابن سعد في طبقاته (ج 8 / ص 271) : أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا محمد بن عبد الله بن أخي الزهري عن أبيه قال: كان يحلب في مسعط أو إناء قدر رضعة فيشربه سالم كل يوم، خمسة أيام. وكان بعد يدخل عليها وهو حاسر. رخصة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسهلة بنت سهيل. اهـ
3 -قال ابنُ قتيبة - العالم النحوي- في توجيهه لحديث سهلة: فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمحلها عنده، و ما أحب من ائتلافهما، و نفي الوحشة عنهما أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة، و يطيب نفسه بدخوله فقال لها"أرضعيه". و لم يرد: ضعي ثديك في فيه، كما يفعل بالأطفال. و لكن أراد: احلبي له من لبنك شيئا، ثم ادفعيه إليه ليشربه. ليس يجوز غير هذا، لأنه لا يحل لسالم أن ينظر إلى ثدييها، إلى أن يقع الرضاع، فكيف يبيح له ما لا يحل له وما لا يؤمن معه من الشهوة؟ (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة) .