وقد اختلف العلماءُ في تعيين هذا البشر الذي زعموا أنه يعلم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد صرح القرآن بأنه أعجمي اللسان. فقيل: هو غلام الفاكة بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانيًا فاسلم. وقيل: اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب الأعجمية. وقيل: غلام لبني عامر بن لؤي. وقيل: هما غلامان اسم احدهما يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتابًا لهم. وقيل: كانا يقرآن التوراة والإنجيل، إلى غير ذلك من الأقوال.
ويكفينا الرد بالقول بأنه كان أعجميا وغير ملم بالعربية فكيف يقبل ادعاؤهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ القرآن منه وقد رد اللهُ - سبحانه وتعالى - على قولِهم هذا بقوله - سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (النحل 103) .
ثالثًا: أما بالنسبة للناسك المكي ورقة بن نوفل فيكفينا الرد بأن نقول إن الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لم تكن له العلاقة الوثيقة بذلك الناسك ولم يقابله إلا بعد نزول الوحي عليه حيث صحبته خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إليه فشهد له ورقة ولم يعلمه حيث قال:"هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعًا، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك، فقال - صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟، فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا".
ومن الثابت أيضًا أن ورقةَ لا يملك العلم والمعرفة التي جاء بها القرآن الكريم وكما ورد في الرواية:"ثم لم ينشب ورقة أن توفى". ونستطيع أن نرد بأن نقول أنه يوجد في القرآن آيات نزلت لحوادث حدثت لا يمكن أن تكون من وحي بحيرا أو الغلام الأعجمي أو ورقة ومنها:
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران 123) .
فكيف يعقل أن يتنبأ بحيرا قبل قرابة أربعين سنة بغزوة بدر، وكذلك كيف أوحى ورقة للنبيِّ بهذه الآية وهو في قبره والأمر ينطبق على قولِه - سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور 11) . وغيرها من الآيات، كيف استطاع ورقة، أو بحيرا، أو الغلام الأعجمي أن يتنبأ بظهور الروم على الفرس: {غُلِبَتِ الرُّومُ 2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ {3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ