ذلك الرجل الذي وكزه موسى وكزة فقضى عليه , ولعلك تذكر لما ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجر إليه فجمع هذا الخلق الشديد والقوة البشرية التي بلغت كمالها يأتيه رجل لا يعرفه ويدخل بيته ويطلب نفسه، فبالله عليك كيف سيكون الأمر بك لو كنت أنت ثم؟ فسبب اللطمة هو الجهل بحال هذا الرجل الذي اقتحم الدار وطلب النفس يوضح هذا الوجه الذي بعده.
ثالثًا:- أن ملك الموت لما جاء موسى في المرة الثانية وعرفه ولما يستعمل معه ما استعمله معه في المرة الأولى، بل سلم بالأمر وأذعن لأمر ربه واستسلم لقضاء الله تعالى، مما يفيدك أن اللطمة في المرة الأولى ليست فرارًا من الموت ولا من ملاقاة الله تعالى ولا على أنه كان يعرف أنه ملك الموت, وإنما جاءت في ظرف نفس شديد، من رجل غريب يدخل الدار بدون إذن ويقول لصاحب الدار:- ستموت. ولذلك ففي المرة الثانية لما عرفه هدأت نفسه ولم يصنع به ما صنع به المرة الأولى، وإلا لو أنه كان يعرفه في المرة الأولى فلماذا لا يتعامل معه في الثانية كما تعامل معه في الأولى شيء من ذلك لأن الجائي واحد والمطلوب واحد، لكن لم يحصل في الثانية شيء من ذلك والسبب هو أنه لم يعرفه في المرة الأولى وعرفه في المرة الثانية.
رابعًا:- أن موسى عليه السلام لما لطم ملك الموت لم يك ذلك كراهة للقاء الله تعالى بدليل:- أن موسى عليه السلام قد اشتاقت نفسه لملاقاة الرب جل وعلا وهو في الدنيا بقوله"رب أرني أنظر إليك"فقد امتلأ جوانح نفسه حبًا وشوقًا في لقاء ربه جل وعلا، فكيف يقال:- إنه لطم ملك الموت فرارًا من لقاء الله تعالى ويقال أيضًا:- إنه لو يكره لقاء الله تعالى لا ختار وضع يده على متن ثور ليعيش بكل شعرة سنة كاملة، مع أنه له ذلك لأن الله تعالى خيره في ذلك لكن هل اختار ذلك؟ الجواب:- لا، فلو أنه كان يكره لقاء ربه جل وعلا لاختار الحياة بعد هذه السنين الكثيرة لكنه اختار الموت على ذلك، فأي عقل يظن في هذا النبي الكريم هذا الظن الفاسد؟