(فصل)
إن قيل:- لقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في حجته على أن من لم يسق الهدي بأنه لا بد وأن يفسخ الحج إلى العمرة، فمن حج مفردا أو قارنا ولم يسق الهدي معه من الحل فإن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى يقولون:- إنه يحل مباشرة إن طاف بالبيت وعلى الصفا والمروة، وحله هذا لا اختيار له فيه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بهذا وشدد فيه عليه الصلاة والسلام بل في حديث سراقة بن مالك بن جعشم، أنه قال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال"دخلت العمرة في الحج. مرتين لا بل لأبد أبد"وذهب بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الفسخ أمر اختياري، يرجع إلى رغبة الحاج نفسه، إلا أن الأفضل له الفسخ، أي فسخ حجه إن كان قرانا أو إفرادا إلى التمتع، وإن أحب أن يبقى على إفراده أو قرانه فله ذلك، ولكنه خلاف الأولى، وهذا إن لم يسق الهدي، وأما من حج قارنا أو مفردا وساق الهدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يرمي الجمرة يوم العقبة قال الشيخ أبو الحسن عبيدالله المباركفوري في الشرح الماتع على مشكاة المصابيح والذي أسماه مرعاة المفاتيح (وقد اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة أم باق ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد والظاهرية وعامة أهل الحديث: ليس خاصًا بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج مفردًا أو قارنًا وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدل للجمهور بحديث أبي ذر عند مسلم"قال كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة"وفي رواية قال"كانت لنا رخصة"يعني المتعة في الحج. ومراد أبي ذر بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذر رضي الله عنه بما